الأنباء بوست / حسن المولوع
ارتفعت في الآونة الأخيرة أصوات، سواء عبر تدوينات أو مقالات، يكتبها أصحابها عن قصد أو عن جهل، مطالبين النقابة الوطنية للصحافة المغربية أن تتحول إلى سفارة أو ناطق رسمي باسم الحكومة. فهذا الخلط العجيب والغريب بين الأدوار لا يقع إلا على رأس جاهل بالعمل النقابي، أو على من يسعى لتصفية حسابات تحت غطاء “الوطنية” الزائفة، متجاهلين أن الصرامة المهنية والاستقلالية الحقيقية تتطلب حكمة ووعيا بالحدود والدور.
المثير للسخرية أن يُطلب من النقابة الرد على مقال لجريدة لوموند الفرنسية اعتبره بعض السياسيين مسّا بصورة المغرب، كما لو أنها جهاز ديبلوماسي أو ذراع رسمي للدولة، فالنقابة وُجدت لتدافع عن حرية الصحافيين وكرامتهم، ولحماية المهنة من الانتهاكات، لا لتحول نفسها إلى وزارة ظلّ ترد على كل من هبّ ودبّ، ولا لتصبح منصة لإرضاء غرور البعض أو لاستعراض شعارات الوطنية الرخيصة. فهي ليست جهازا سياسيا، ولا مؤسسة ديبلوماسية، حتى ترد بشكل رسمي على جريدة لوموند، لأن وظيفتها الأصلية هي الدفاع عن حرية الصحافة داخل المغرب، وليس الدفاع عن صورة الدولة في الخارج. فالرد على ما تعتبره الدولة أو السياسيون “مسّا بصورة المغرب” هو من اختصاص وزارة الخارجية، الناطق الرسمي باسم الحكومة، والمؤسسات الرسمية، ولا شأن للنقابة بهذا الدور. وتدخلها في مثل هذه المواضيع قد يُفهم على أنه خروج عن دورها وتحولها إلى أداة سياسية، وهذا يضر أكثر مما ينفع، لأنه يمس باستقلالية النقابة ويجعلها عرضة للاتهامات بالانحياز السياسي، وهو ما يضر بالمهنة أكثر مما ينفع الوطن.
وإذا كان التحقيق الذي نشرته جريدة لوموند يهم حرية الصحافة أو تناول وضع الصحافيين المغاربة، هنا يمكن للنقابة أن تُدلي بموقفها، وتؤكد على التزامها بالدفاع عن الصحافيين وحقوقهم. أما إذا كان التحقيق يخص المؤسسة الملكية وصورة المغرب سياسيا، فهذا ليس من مهامها. بالعكس، الصمت في مثل هذه الحالة يُعتبر حفاظا على استقلاليتها، حتى لا تُحسب على طرف سياسي أو تُتهم بأنها تدافع عن الدولة بدل الدفاع عن الصحافيين.
إن أقوى رد على لوموند ليس بتصريحات جوفاء أو بيانات فارغة، بل بإنتاج صحافة وطنية رصينة، قوية ومستقلة، قادرة على فرض حضورها ومصداقيتها على القارئ الفرنسي أولا، قبل المغربي، وإقناع الرأي العام الدولي بجدارة الصحافيين المغاربة ومهنيتهم. فالصحافة الوطنية القوية هي الرد الحقيقي على أي تشويه أو انتقاد، لأنها تبني الثقة، وتثبت قدرة الجسم المهني على مواجهة كل الهجمات الفكرية والإعلامية، دون الانزلاق إلى ردود انفعالية أو تصريحات تجميلية لا تُقنع أحدا. فهذا هو الأسلوب الذي يحمي المهنة ويعزز مكانة المغرب على الساحة الإعلامية الدولية، وليس الهروب إلى بيانات استنكارية مؤقتة أو إرضاء غرور البعض.
صحيح أن النقابة الوطنية للصحافة المغربية ارتكبت أخطاء، ورئيسها عبد الكبير اخشيشن تخلف عن موعد واجباته مرات عدة، ونحن في الأنباء بوست لم نتردد يوما في توجيه النقد له، وسنستمر، لكن كل هذا لا يمنحنا الحق في مطالبته بالانزياح عن الدور الحقيقي للنقابة من أجل إرضاء غرورنا أو لتصفية حساباتنا الصغيرة. فنحن ننتقد من أجل البناء، لا لتحويل النقابة إلى أداة سياسية أو واجهة للسلطة. فالنقد البنّاء هو الذي يقوي المؤسسة، لا الذي يفرغها من دورها ويجعلها تابعا لمزاج أطراف خارجية أو لمصالح شخصية.
النقابة ليست وصيا على صورة المغرب، بل فضاء يدافع عن الصحافيين وحقوقهم وحريتهم. فصمتها عن هراء لوموند ليس تخاذلا، بل وعيا بحدود أدوارها، وحرصا على أن تبقى بيتا للصحافيين لا مكتب دعاية. ومن يحاول جرها إلى غير ذلك، إنما يريد تحويلها إلى واجهة سياسية فارغة، بينما دورها الحقيقي أسمى وأبقى.
فلْتُترك النقابة لمهامها، ولتُحاسَب المؤسسات الرسمية على أدوارها. أما من يريد أن يجعل منها درعا للسلطة أو أداة لتصفية الحسابات، فليبحث عن ملعب آخر. فالنقابة لم تُخلق لتجامل أحدا، ولا لتستجدي رضا السياسيين، بل لتبقى صوت الصحافيين وضمير المهنة. ومن لا يفهم هذا، فالمشكلة ليست في النقابة… بل في عقليته التي تحتاج إلى إصلاح جذري، قبل أن يطالب الآخرين بأدوار لا تدخل في نطاق اختصاصهم.
شارك هذا المحتوى
