الأنباء بوست / حسن المولوع
بعد عامين من تعيينه على رأس وكالة المغرب العربي للأنباء، يتأكد يوما بعد يوم أن فؤاد عارف لم يكن الرجل المناسب في المكان المناسب. فمنذ حلوله محل الراحل خليل الهاشمي الإدريسي، لم يترك أي بصمة تُذكر، ولم يقدم للوكالة سوى مزيد من الغموض والارتباك في التسيير، وهو ما تجلى بوضوح في موجة التعيينات الأخيرة بالخارج، التي أثارت استغرابا واسعا داخل المؤسسة وخارجها.
في مارس 2025، أعلنت الإدارة عن فتح باب الترشيحات لشغل مناصب مراسلين ومسؤولين في وجهات محددة سلفا، من بينها واشنطن، جوهانسبورغ، الرياض، الدوحة، أبوظبي، القاهرة، لندن، ومكسيكو. غير أن اللائحة النهائية للتعيينات جاءت صادمة، إذ ضمّت أسماء ووجهات لم يتم التطرق إليها في الإعلان الأصلي، على غرار بكين، جاكارتا، بروكسيل، والكويت. والأسوأ من ذلك، تم تخصيص أكثر من منصب لبعض الوجهات دون أي تبرير قانوني أو تنظيمي، كما حصل في واشنطن (ثلاثة مناصب)، جوهانسبورغ (منصبان)، والقاهرة (منصبان)، في تجاوز سافر للضوابط التي أُعلن عنها.
التجاوزات لم تتوقف عند هذا الحد، بل تبيّن أن من بين المعينين أشخاصا لم يشاركوا أصلا في عملية الترشيح، أو لم يودعوا ملفاتهم داخل الآجال القانونية، ما يطرح علامات استفهام حول مدى احترام مبدأ تكافؤ الفرص والإنصاف. كل ذلك يعزز الحديث المتداول داخل أروقة الوكالة عن سياسة “ترضية الخواطر” وتوزيع المناصب على أساس الولاء والقرابة، لا على الكفاءة والجدارة.
الأدهى أن الترشيح في كثير من الحالات لم يكن سوى إجراءً شكليًا، إذ كان المعنيون يعلمون مسبقا بوجهاتهم القادمة، بل إن بعضهم باشر التحضيرات للسفر قبل صدور النتائج الرسمية، مما حوّل العملية برمتها إلى مشهد صوري يخلو من الشفافية والمهنية.
هذه التعيينات غير المنضبطة تعكس واقعا مؤسفا داخل وكالة يُفترض أن تكون نموذجا في الاحتراف والاستقلالية، لكنها تحوّلت في عهد عارف إلى ساحة لتصفية الحسابات وتكريس المحسوبية، حيث يتم إقصاء الكفاءات وتهميش الأصوات المهنية لصالح حسابات ضيقة.
الصحافيون المتضررون لا يخفون استياءهم من هذا الواقع المتردي الذي فرضه المدير العام منذ تعيينه في 19 ماي 2023، حيث لم تشهد الوكالة أي تطور يُذكر، بل زادت من أزماتها الداخلية والخارجية بسبب قرارات مرتجلة ومثيرة للريبة.
ما تعيشه الوكالة من تخبط إداري لم يكن ليتفاقم لولا تواطؤ دائرة المدير العام ومستشاريه، الذين لا يكتفون بالترويج لإنجازات وهمية، بل يساهمون في ترسيخ منطق الريع الإداري وتفكيك المؤسسة من الداخل. وفي ظل غياب رؤية استراتيجية واضحة، تُدار المؤسسة بارتجالية، وتُمنح المسؤوليات حسب الأهواء، مما يهدد صورة الوكالة ومكانتها وطنيا ودوليا.
ما حدث في هذه الحركة الخارجية ليس مجرد خطأ عابر، بل مؤشر صريح على أزمة قيادة حقيقية، تعكس محدودية الرؤية لدى فؤاد عارف، وتضع مستقبل الوكالة ومصداقيتها على المحك. ومادامت التعيينات تُدبّر بهذا الأسلوب، فإن الأوضاع مرشحة للمزيد من التدهور، وسيتحول المدير العام إلى رهينة لدائرة مغلقة من المستشارين الذين يُجيدون تزيين الواقع، لكنهم عاجزون عن تقديم أي إنجاز فعلي.
السؤال الآن يفرض نفسه: هل ستتدخل الجهات المسؤولة لوضع حد لهذا التسيير المرتبك؟ وهل ستُفعل آليات المحاسبة لمساءلة من يقف وراء هذه التعيينات الاعتباطية التي تمس بمصداقية مؤسسة وطنية؟ المؤكد أن استمرار هذا النهج لن يمر دون تبعات، وأن المواطن المغربي وكل من يهمه شأن الإعلام الوطني يستحق إجابات واضحة وتحركا حازما.
فإلى متى سيظل فؤاد عارف يدير وكالة المغرب العربي للأنباء بمنطق شخصي خارج عن الضوابط؟ ومتى ستتحرك الجهات المسؤولة لإنقاذ مؤسسة إعلامية عريقة من الانحدار؟ الزمن لا يرحم، والمؤسسة لا تحتمل المزيد من التراجع.
شارك هذا المحتوى
