الأنباء بوست
لم تعد حملات التشهير في المغرب مجرد انزلاقات فردية أو تصرفات طائشة، بل تحولت إلى صناعة قذرة وممنهجة، تستعملها أطراف معلومة لتصفية الحسابات وضرب الخصوم وتشويه الأصوات الحرة. المثال الصارخ اليوم هو ما تتعرض له المناضلة النقابية والجمعوية حنان الناصري في سيدي سليمان، من استهداف دنيء يختزل بوضوح حالة الانحطاط التي بلغها جزء من المشهد المحلي مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية.
حنان الناصري، الكاتبة المحلية والإقليمية بالجامعة الوطنية لموظفي الجماعات الترابية، ورئيسة مصلحة بجماعة سيدي سليمان، عُرفت طيلة مسارها بالنزاهة والالتزام، وبتصديها الدائم لمنطق الريع والزبونية، وهو ما جعلها في مرمى نيران أبواق مأجورة يقودها أشخاص، بتنسيق مع منتخبين ومصالح داخلية، وبغطاء صفحات فايسبوكية رخيصة لا تتورع عن هتك الأعراض وتلويث المجال العام.
إن ما يجري ليس مجرد خلاف عابر، بل هو استهداف سياسي مقصود يروم إسكات الأصوات الحرة داخل الجماعة، وإرهاب الموظفين والموظفات حتى ينصاعوا لمنطق “المصالح الضيقة”. وحين تتحول كرامة النساء، وسمعة المناضلين، إلى ورقة انتخابية، فإننا نكون أمام مستوى غير مسبوق من الانحطاط السياسي والأخلاقي، لا يضرب فقط الضحية المباشرة، بل ينسف أي إمكانية لبناء ثقة المواطن في مؤسسات الدولة.
البيانات الصادرة عن النقابة، وعن جمعيات المجتمع المدني، لم تترك مجالا للشك فالتشهير صار آلية ممنهجة داخل مدينة سيدي سليمان، تستعملها أطراف نافذة لإعادة إنتاج هيمنتها وتكميم الأفواه. فالجمعيات والهيئات النقابية، من الاتحاد المغربي للشغل إلى المنظمات المدنية والحقوقية، وقفت بالإجماع إلى جانب حنان الناصري، معتبرة أن أي استهداف لها هو استهداف للحق في العمل النقابي ولحرية التعبير والمشاركة في الشأن العام.
لكن السؤال الجوهري يظل مطروحا: أين السلطة القضائية والأمنية؟ لماذا يستمر الصمت أمام هذه الجرائم الإلكترونية، التي لا تقل خطورة عن العنف المادي؟ وهل أصبح قدر المناضلات والمناضلين أن يتحملوا وحدهم كلفة مواجهة هذه الحملات، بينما الدولة تكتفي بدور المتفرج؟
إن حماية حنان الناصري اليوم ليست قضية شخصية، بل امتحان حقيقي لمدى التزام الدولة بمحاربة الإفلات من العقاب. فالصمت عن هذه الحملات لن يُفسَّر إلا كتواطؤ أو رضى ضمني، وسيفتح الباب لمزيد من الانفلات والتسيب، حيث يُضرب الشرف والسمعة ببرودة أعصاب، وتُستعمل الأعراض كورقة مساومة سياسية رخيصة.
لقد أثبتت التجربة أن التشهير لا يسقط الضحايا بقدر ما يفضح الجبناء الذين يختبئون خلف الشاشات والصفحات السوداء. وحنان الناصري، بما تمثله من نموذج للنزاهة والالتزام، صارت اليوم عنوانا لهذه المعركة الأخلاقية والسياسية، التي لا تخصها وحدها، بل تخص كل موظف شريف، وكل امرأة ترفض أن تكون عرضة للابتزاز، وكل مواطن يريد أن يعيش في فضاء عام نظيف.
إن معركة سيدي سليمان ضد التشهير ليست معركة محلية، بل هي جزء من المعركة الوطنية ضد تردي الحياة السياسية وضد اختطاف الفضاء العام من طرف عصابات انتخابية لا تتقن سوى الضرب تحت الحزام. ومن هنا، فإن التضامن مع حنان الناصري واجب أخلاقي وسياسي في آن، ورسالة واضحة أن المغرب لا يمكن أن يُبنى على جثث الشرفاء، ولا على اغتيال السمعة.
حين يُترك التشهير بلا حساب، تتحول الدولة إلى مجرد متفرج على خراب أخلاقي يلتهم المجتمع من الداخل. ويصبح الفضاء العام ساحة لصراع الأهواء والانتقام الشخصي، بدل أن يكون منبرا للحق والعدالة.
حماية حنان الناصري اليوم ليست مجرد دعم لمناضلة، بل هي دعم لمبادئ الشفافية، والكرامة، والحق في العمل النقابي الحر. فأي تقاعس عن ذلك يعني أن الغد سيكون أكثر قتامة، وأن كل صوت حر معرض للقتل الرمزي قبل أن يصل إلى الناس. وفي هذا الزمن، لا يمكن للمجتمع المدني ولا للهيئات النقابية أن تصمت: فمن يسكت عن الظلم، يصبح شريكا فيه.
شارك هذا المحتوى
