الأنباء بوست
لم يكن عبد الكبير المامون مجرد مراسل صحافي عابر في جريدة الأحداث المغربية، بل كان واحدا من أولئك الذين آمنوا، في زمن كانت فيه الصحافة تُمارَس بحدّها الأخلاقي، بأن الخبر مسؤولية، وأن الصمت خيانة، وأن الحقيقة لا تُؤجَّل.
سنوات طويلة قضاها المامون في الميدان، يفكك الملفات، ويتابع القضايا الحساسة، ويوقّع تحقيقات لم تكن مريحة لكثيرين. كان شاهدا على مرحلة كاملة من تاريخ الصحافة المغربية، مرحلة كان فيها الصحافي يُحاسَب على ما يكتبه، لا على ما يسكت عنه.
لكن ككل من اختار هذا الطريق، لم يكن الثمن مهنيا فقط، بل إنسانيا أيضا.
اليوم، يعيش عبد الكبير المامون ظروفا صحية واجتماعية قاسية، بفعل مرض مزمن وقلة ذات اليد، في مفارقة مؤلمة تختزل سؤالا أكبر من شخصه:
كيف تُكافئ المهنة أبناءها حين يختارون قول الحقيقة؟
في حلقة خاصة من برنامج «وجه وحوار»، انتقل فريق البرنامج إلى بيت الصحافي، خارج الاستوديو، احتراما لظروفه الصحية القاهرة. لم يكن المشهد مجرد تغيير في المكان، بل انتقالا رمزيا إلى عمق الذاكرة، حيث تختزن التجربة، والخذلان، والصدق.
استحضر المامون، خلال الحوار، محطات مفصلية من مساره المهني، وملفات فجّرها داخل الجريدة، وشخوصا صنعت القرار الإعلامي، وأحداثا لم تُروَ من قبل. لم يكن حديثه اتهاميا، ولا تصفويا، بل شهادة رجل يعرف أن الزمن لم يعد في صالحه، فاختار أن يقول ما يجب قوله بهدوء ووضوح.
الأكثر إيلاما في الشهادة، ليس ما قيل عن الملفات، بل ما قيل عن ما بعدها: التهميش، النسيان، وانقطاع خيط التضامن المهني. لحظة يتحوّل فيها الصحافي من “اسم مزعج” إلى “اسم منسي”، وكأن الذاكرة المهنية قصيرة حين يتعلّق الأمر بمن دفعوا الثمن فعليا.
هذه الحلقة لا تسعى إلى إثارة الشفقة، ولا إلى تصفية حسابات، بل تطرح سؤالا أخلاقيا صريحا حول مصير الصحافيين بعد أن تُطوى صفحاتهم، وحول مسؤولية المؤسسات، والزملاء، والهيئات المهنية تجاه من خدموا المهنة بإخلاص.
شهادة عبد الكبير المامون ليست مجرد حكاية فردية، بل مرآة لواقع أوسع، وجرس إنذار لذاكرة صحفية مهددة بالنسيان.
فحين يُترك من قال الحقيقة وحيدا، يصبح الصمت هو القاعدة، وتغدو المهنة بلا روح.
شارك هذا المحتوى
