الأنباء بوست/ حسن المولوع
من المفارقات الصارخة في قطاع الصحافة والنشر أن بعض التنظيمات التي ترفع اليوم شعار “الإقصاء” وتشتكي من غياب التشاور، تمارس السلوك نفسه الذي تدّعي محاربته، بل وتعيد إنتاجه بالآليات ذاتها، ما يؤكد أن الإشكال ليس في المبدأ، بل في الجهة التي تحتكره.
عبد الكبير أخشيشن، رئيس النقابة الوطنية للصحافة المغربية، يتحدث باسم الجسم المهني دون أي تفويض، ويُنصّب نفسه ممثلا وحيدا للصحافيين، في وقت لم يُفتح فيه أي نقاش حقيقي معهم حول تعديلات المجلس الوطني للصحافة، لا عبر آليات ديمقراطية داخلية، ولا من خلال استشارة واسعة وشفافة.
الأخطر من ذلك أن التنظيمات التي ترفع اليوم خطاب الإقصاء، وعلى رأسها النقابة التي يرأسها أخشيشن، أقصت الصحافيين أنفسهم من النقاش، واحتكرت المواقف والبلاغات، واعتمدت منطق الوصاية بدل منطق الشراكة، وهو ما يجعل خطابها الاحتجاجي فاقدا للشرعية الأخلاقية والمهنية.
ما يقوم به عبد الكبير أخشيشن ليس دفاعا عن الصحافة، بقدر ما هو توظيف سياسي لنقابة مهنية في لحظة حساسة، بعدما أصبح موقعه مهددا وفقد جزءا من النفوذ الذي كان يستند إليه. فالرجل الذي لم يُسجَّل له حضور فعلي في معارك الدفاع عن الصحافيين حين كانوا يواجهون المتابعات والتضييق، يظهر اليوم بخطاب نضالي مرتفع السقف، خالٍ من المصداقية.
الاحتجاج، حين يُفرغ من مضمونه، يتحول إلى أداة ضغط انتقائية، والنقابة حين تُستعمل لتصفية الحسابات، تفقد وظيفتها الأصلية. وما يجري اليوم ليس معركة من أجل حرية الصحافة، بل صراع تموقع يُستعمل فيه الجسم المهني كورقة تفاوض، لا كطرف أساسي في القرار.
وتبلغ هذه الممارسات ذروتها في ما سُمِّي بـ عريضة التوقيع المطالِبة بإحالة القانون على المحكمة الدستورية، وهي عريضة تفتقد إلى الحد الأدنى من المصداقية والشفافية. إذ لا تُنشر أسماء الموقعين ولا صفاتهم ولا انتماؤهم المهني، في استخفاف صريح بالرأي العام وبالصحافيين أنفسهم. فكيف يُطلب من المجتمع تصديق تحرك لا يُعرَف من يقف وراءه؟ وكيف يُستعمل اسم “الجسم المهني” دون التحقق مما إذا كان الموقّعون فعلا من الصحافيين والصحافيات، أم من أطراف وقطاعات لا علاقة لها بالصحافة والنشر؟
إن عريضة بلا أسماء ليست أداة نضال، بل مناورة سياسية، وعريضة بلا هوية مهنية ليست دفاعا عن الصحافة، بل تلاعب باسمها. والأدهى أن هذه التنظيمات، التي تدّعي الغيرة على القطاع، لا تقدم أي مشروع بديل، ولا أي تصور إصلاحي، ولا أي مقترحات عملية قابلة للنقاش، ما يفضح حقيقة هذا التحرك باعتباره بحثا محموما عن التموقع، ولو كان ذلك على حساب الصحافيين والصحافيات.
ولو كانت لهذه التنظيمات نية حقيقية للإصلاح، فلماذا لا تُنظَّم أيّام دراسية مفتوحة، تُستدعى إليها جميع الصحافيين والصحافيات، بمختلف توجهاتهم وانتماءاتهم، لمناقشة القانون، وتقديم المقترحات، وبناء رؤية جماعية شفافة؟ لماذا يُفضَّل منطق البلاغات المغلقة والعَرائض الغامضة على النقاش العمومي المفتوح؟ ولماذا يُقصى الصحافي من التفكير في مستقبله المهني، ويُستدعى فقط للتوقيع أو الاصطفاف؟
إن أخطر نتائج هذا المسار هو ضرب الثقة في العمل النقابي، وتعميق القطيعة بين الصحافيين والتنظيمات التي تزعم تمثيلهم. فلا يمكن لمن يُقصي زملاءه عن التشاور أن يدّعي الدفاع عن حقوقهم، ولا لمن يحتكر القرار أن يتحدث عن الديمقراطية.
الصحافة ليست غنيمة، ولا النقابة ملكا خاصا، ولا الجسم المهني رقما يُضاف إلى بيانات ظرفية. ومن أراد إصلاح القطاع فعلا، فليبدأ بفتح نقاش عمومي حقيقي، والإنصات للصحافيين، والقطع مع منطق الوصاية.
أما الاستمرار في هذا النهج، فلن يؤدي إلا إلى مزيد من العزوف، ومزيد من تآكل المصداقية، ومزيد من إضعاف ما تبقى من العمل النقابي الصحافي.
شارك هذا المحتوى
