الأنباء بوست/ حسن المولوع
لم يعد الأمر يحتاج إلى مصادر ولا إلى تسريبات صحفية. فقد أصبحت الحقيقة تترنّح سكرى في وضح النهار، والناس تتفرّج على حال وكالة المغرب العربي للأنباء، تلك المؤسسة التي كانت تُسمّى ذات مجد “الوكالة الرسمية”، قبل أن تصير اليوم أقرب إلى وكالة للأنباء الباهتة، بفضل ما جاد به الزمان من “قيادة” اسمها فؤاد عارف، الرجل الذي لا يكفّ عن مفاجأتنا، ليس بالإنجازات، بل بالفشل المتناسق حدّ الإحراج.
عارف، ذلك الذي لا تُرى إنجازاته إلا بالمجهر، بلغ به الفشل حدا جعلنا نخجل من الكتابة عنه، خشية أن نظلم الكلمات ونحن نحاول أن نجد ما يليق بوصف كارثيته الإدارية. ومع ذلك، ارتكب مؤخرا صدفة حسنة في وسط هذا الركام، حيث احتقر مدير وسائل الإعلام السابق، المثير للجدل، وقرّر ترحيله، أو بالأحرى نفيه، إلى مكتب قطر، وكأنّه يقول له: “أنت لست أهلا للقيادة، فاذهب ودوّن الطقس في الخليج”.
أما المضحك المبكي، فهو أن هذا المدير المخلوع، الذي حاول التودد والتزلف والتصنع والانبطاح، لم يُجْدِ معه شيء. فخرج كما دخل: بلا كرامة، بلا إنجاز، وبلا أنين. بينما تُوشَّح صدور مدراء آخرين، وتُرفع رؤوسهم في حفلات تنصيب باذخة، يجد هو نفسه مرْسلاً إلى مكتب لا أحد يريد الجلوس فيه، فقط لأن هناك مراسلا سيحال على التقاعد، ووجب ملء الفراغ.
هذا الرجل المخلوع، الذي أصبح مديرا بالصدفة فقط لأن سلفه تعرّض لـ”مشكلة”، ها هو اليوم يُبعث من جديد على هيئة احتياطي لا يصلح إلا لسدّ الثقوب. وتلك هي عبثية الإدارة حين تتحول إلى يانصيب.
ولأن لكل مهزلة ذيولا، تطلّ علينا لائحة التعيينات الجديدة من الموقع الرسمي للوكالة، فتُصيبنا بالذهول: أسماء هبطت علينا بالباراشوت إلى واشنطن والقاهرة، ومن لا يصدّق فليسأل عن مراسلة وُضعت في قلب العاصمة الأمريكية، وهي بالكاد تتقن فنّ التقاط الصور. إذ أن مصادرنا تؤكد أن لا كفاءة لديها تُذكر، سوى قربها من صحافية متقاعدة، لم تشبع بعد من الضوء، ولا تزال تزاحم شباب الوكالة ببرنامج إذاعي لا يسمعه سوى الحائط.
والسؤال: من أين جاءت هذه العبقرية التي دفعت بالإدارة إلى إرسال شخصين إلى واشنطن؟ هل تحوّلت السفارة إلى فرع من فروع الوكالة؟ فالطبيعي هو إرسال رئيس قطب واحد ومراسل واحد، لكن في عهد عارف قرّر تكريم العشوائية بمنطق التكديس بدل التنسيق.
ولا يفوتنا أن نذكر أن فؤاد عارف، في عهده الذي يشوبه الفشل والارتباك، أعطى الأولوية للقسم الفرنسي على حساب القسم العربي، وكأنه يريد تكريس منطق الاستعمار القديم، ناسيا أن اسم هذه المؤسسة هو وكالة المغرب العربي للأنباء، وليس وكالة المغرب الفرنسي. فهل هذا تجديد أم رجعية في مظهر الإدارة؟
ووسط هذا السيرك، لا بد أن نشير إلى مشهد بالغ الدلالة أن مدير وسائل الإعلام المخلوع، الذي كان يطارد صحافيًا رئيسا لقسم الأخبار في m24، ينتهي به القدر في قفص الترحيل، بينما ذاك الصحافي يحلق اليوم في سماء المكسيك، في خطوة ذكية من عارف تُحسب له، لأن المغرب يراهن على توطيد علاقته مع أمريكا اللاتينية. وبالتالي فالمكتب يحتاج إلى كفاءة تحظى بالتعيين عن جدارة واستحقاق. أليس للقدر روح ساخرة؟
ولا يمكننا إلا أن نقارن بين زمن فؤاد عارف وزمن سلفه الراحل خليل الهاشمي، الذي كان رمزا للإنجاز والعمل المؤسسي الحقيقي، فقد حقق إنجازات ملموسة رفعت من مكانة الوكالة، بينما عارف يغرق يوميا في فشل متزايد يدفع الوكالة إلى هاوية لا قرار لها.
لكن ربما، وربما فقط، لم يكن ترحيل المدير المخلوع سوى نهاية طبيعية لشخص كان عبئا على الوكالة بالرباط ، وعلى من فيها. فالتقنيون والصحافيون في المديرية تنفسوا الصعداء، وكأنّ صخرة زُحزحت عن صدورهم. لعلّهم الآن سيعيدون الحياة إلى المديرية، ويزرعون فيها شيئا من الإبداع، بعد سنوات من الجمود والتسلط والإخفاق.
أما فؤاد عارف، فله أن يفرح بقراراته المؤقتة، لكن التاريخ لن يرحمه. فحين تُكتَب سيرة ما جرى، لن يُذكر اسمه إلا مقرونا بخرابٍ مؤسسي، وعنوانه الأبرز: من العشوائية جاء، وفي العبث انتهى.
أما مدير وسائل الإعلام المخلوع، فلا يزال يركض في مكاتب الوكالة كمن يفتش عن إنجاز ضاع منه في زحمة الهروب. فهو أشبه بلاعب دخل المباراة متأخرا، وما إن بدأ حتى طُرد بسبب ضعف الأداء، لكنه لم يتوقف عن التدريب — تدريب مهارة التهرب والهروب من المسؤولية!
موهبته الحقيقية تكمن في فنّ الاختفاء عند كل استحقاق، والظهور فقط عندما يحتاجون إلى كبش فداء يُلقى باللوم عليه. كل ما تركه خلفه هو فراغ سحيق، لا يمتلئ إلا بصدى ضحكاته الخافتة، التي تسمعها فقط في زوايا الوكالة المهجورة، حيث الإبداع مقيد، والفشل يُحتفى به كأعظم إنجاز!
وفي النهاية، يبدو أن الوكالة تعلمنا درسا بليغا: إذا أردت أن تُغلق باب النجاح بإحكام، لا تبحث بعيدا، فقط عيّن مديرا… فهو سيدير لك الكارثة بإتقان لا يُعلى عليه وببراعة منقطعة النظير في فن خراب كل شيء!
شارك هذا المحتوى
