الأنباء بوست / حسن المولوع
في الوقت الذي يُروّج فيه وزير الثقافة، المهدي بنسعيد، لتعديلات جديدة في مشروع القانون الأساسي للصحافيين المهنيين، تحت شعار “تعزيز حقوق المؤلف والحقوق المجاورة”، يتضح أن الهدف الحقيقي ليس تمكين الصحافي كفرد مبدع، بل فتح الباب أمام المقاولات الإعلامية المقرّبة للاستفادة من أموال ضخمة، تحت غطاء قانوني “ناعم”.
فكيف يمكن الحديث عن حماية الصحافيين، في حين أن هذه الحقوق ستُحوَّل فعلياً إلى أرباب المقاولات، لا إلى من كتب وأبدع وسهر الليالي؟
وكيف نصدّق أن وزيرًا ينسج شبكة مصالح مع فئة محددة من مالكي المؤسسات الإعلامية يمكن أن يُدافع حقًا عن الحقوق الفردية للصحافيين؟
ما يحدث اليوم ليس إصلاحًا، بل إعادة توزيع للريع الإعلامي بقالب قانوني جديد. فكل ما يُسوَّق تحت عنوان “تعزيز حقوق المؤلف” لا يعدو كونه محاولة لشرعنة امتيازات إضافية لفائدة من يُجيد التملق والتقرب من مركز القرار، على حساب من ينتج ويبدع في الميدان.
ما يجري اليوم لا علاقة له بتكريس حقوق المؤلف، بل هو محاولة لتأميم جهود الصحافيين وتحويلها إلى غنيمة تُوزّع على مقاولات لا تحقق لا مبيعات ولا تأثير، لكنها تملك مفاتيح العلاقات داخل الوزارات واللجان.
ولمن لا يعرف المقصود بـ”حقوق المؤلف والحقوق المجاورة”، نقول ببساطة:
إنها الأموال التي يتم تحصيلها من استغلال الأعمال الصحافية والفنية في الإذاعة، التلفزيون، الإنترنت، الحفلات، الفنادق، والعروض العامة…
وهي حقوق يُفترض أن تُوزع على من أنجز هذه الأعمال، لا على من يملك مقاولة إعلامية ويُتقن فن توزيع الابتسامات في ممرات الوزارة!
المكتب المغربي لحقوق المؤلفين، المعروف اختصارًا بـ BMDA، هو مؤسسة عمومية خاضعة لوصاية وزارة الثقافة، أُنشئت من أجل حماية حقوق المؤلفين والمبدعين في مختلف المجالات الفنية والأدبية. يتولى المكتب مهمة تحصيل الرسوم الناتجة عن استغلال الأعمال الإبداعية، سواء في الإذاعات أو القنوات التلفزية أو دور السينما أو الحفلات أو الفضاءات العمومية كالفنادق والمطاعم والمؤسسات التعليمية. كما يُعنى بتسجيل هذه الأعمال لضمان حمايتها قانونيًا ضد كل أشكال القرصنة والانتحال، ويُشرف على توزيع التعويضات المالية على أصحاب الحقوق، بناءً على مدى استغلال أعمالهم وانتشارها. إلى جانب ذلك، يُمثل المكتب الدولة المغربية في تنفيذ الاتفاقيات الدولية المرتبطة بالملكية الفكرية وحقوق المؤلف.
ورغم المهام المُعلنة التي يتولاها المكتب، فإن الواقع العملي يكشف عن اختلالات عميقة تُفرغ هذه المؤسسة من مضمونها، وتحوّلها إلى واجهة شكلية لتوزيع الريع الفني والإعلامي. فقد ظل المكتب، لسنوات، محلّ انتقادات متكرّرة من طرف عدد من الفنانين والمهنيين، بسبب غياب الشفافية في صرف المستحقات، والتمييز في التوزيع لفائدة أسماء بعينها دون معايير واضحة، فضلًا عن تأخر كبير في الأداءات، يصل أحيانًا إلى سنوات، ما يُفقد الحقوق معناها وجدواها.
كما أن ضعف الحكامة وغياب آليات المراقبة والتتبع، إضافة إلى فوضى في تسجيل الأعمال والاعتماد على آليات متجاوزة، يجعل المكتب عاجزًا عن مواكبة التحولات الرقمية ومتطلبات العصر، خصوصًا مع صعود منصات البث والتوزيع الرقمي مثل “يوتيوب” و”سبوتيفاي”، التي لا تزال خارج أي إطار تنظيمي عادل في المغرب.
أمام هذا الوضع، يُصبح تدخّل المجلس الأعلى للحسابات أمرًا ملحًّا وضروريًا، من أجل إجراء افتحاص شامل للمالية الداخلية للمكتب، ومراجعة مساطر التوزيع والتسجيل والتحصيل، وفضح كل أوجه التسيب والزبونية التي تُفرغ هذه المؤسسة من دورها الحقيقي.
فحقوق المؤلف ليست مجرد أرقام تُدوَّن في التقارير، بل هي حقوق إنسانية وثقافية واقتصادية، تستوجب رقابة صارمة وعدالة نزيهة لضمانها.
شارك هذا المحتوى
