كم سيكون القطاع سعيدا وهادئا لو اختار البقالي التقاعد الكلي

الأنباء بوست / حسن المولوع 

حالة من الارتباك والاضطراب تصل حد الاحتقان بالجسم المهني لقطاع الصحافة والنشر الذي كان ينتظر فقط شرارة واحدة لاشعال نار الغضب، ذلك الاحتقان والغضب  تترجمه البلاغات والتدوينات والمقالات المنتقدة للوضع والمستنكرة لما يقع في مهنة النخبة التي يفترض أن تكون قدوة حسنة من بين المهن …

إن تلك الشرارة التي أشعلت نار الغضب في الجسم المهني هي الشروط المزاجية التي وضعها عبد الله البقالي رئيس لجنة منح البطاقة المهنية باللجنة المؤقتة لتسيير قطاع الصحافة والنشر ، أسماها بالنظام الخاص للولوج إلى مهنة الصحافة ، ذلك النظام من حيث الشكل ضعيف جدا ومن وضعه لا علاقة له بالقانون او يوهم نفسه أن له علاقة به ولا يمكن حتى لطالب في السنة الأولى أن يقوم بتلك الفضيحة ، أما من حيث المضمون فهو لا يستند على أي اساس قانوني . كل ما في الأمر فهو فقط يستند على أهواء شخصية ووجهة نظر تفتقر إلى المنطق السليم .

لم يعد خافيا على أحد اليوم أن المتسبب الرئيسي في كل الازمات التي يتخبط فيها القطاع ، تعود بالأساس الى شخص البقالي ، ذلك أنه وبدل أن يفرض الالتزام بميثاق أخلاقيات المهنة وسيصفق له الجسم المهني على ذلك وبحرارة ، اختار فقط فرض الالتزام بأداء واجبات الانخراط في الضمان الاجتماعي ، مقابل الحصول على البطاقة المهنية دون أن يدري أن ما يقوم به يعد اعتداء على حرمة القانون ، ويعتبر ابتزازا للصحافيين والصحافيات ، وذلك بمنعهم حقهم المكتسب إلى أن يقوموا بأداء الأموال لمؤسسة لها قانونها ودورها معروف ومؤطر بقانون ، ولا علاقة له بها ، اللهم إن كان له اتفاق سري بينها وبينه في هذا الموضوع ، فذلك نقاش آخر ، علما أننا في دولة المؤسسات التي تقوم على التطبيق السليم للقانون

إن عبد الله البقالي لا يستطيع الحديث عن الجرائد الحزبية التي حرمت لسنوات طوال صحافييها من الضمان الاجتماعي ولو لم يكن هناك دعم الوزارة لأغلقت أبوابها لسنوات خلت  ، تلك الوزارة التي يقول البعض عن جهل أنها ليست وصية على القطاع ، فكيف لها الا تكون وصية على القطاع وهي التي تمنح الدعم العمومي ؟ وكيف لها الا تكون وصية على القطاع والقانون رقم 89/13 المتعلق بالنظام الأساسي للصحافيين المهنيين يخول لها الاعداد للمرسوم الذي يحدد كيفيات منح البطاقة المهنية ؟ وكيف الا تكون الوزارة وصية على القطاع ورئيس الحكومة هو من قام بتعيين أشخاص باللجنة المؤقتة لتسيير قطاع الصحافة والنشر ؟ وكيف الا تكون وصية دون أن يجد ممثلوا الأمة مسؤولا يطرحون عليه الأسئلة ؟ فهل أصبحت مؤسسة التنظيم الذاتي للمهنة تشتغل بقانون يتم تشريعه خارج البرلمان أو هكذا تريد ؟ فكيف لرئيس مؤسسة التنظيم الذاتي الممثلة في اللجنة المؤقتة لتسيير قطاع الصحافة والنشر أن ينتقد أسئلة طرحت على الوزير المكلف بقطاع الاتصال بدعوى أنه ليس وصيا على القطاع ، والمؤسسة ذاتها يقوم فيها شخص مزاجي باستغلال نفوذه ويمنع البطائق المهنية عن الصحافيين واذا لم يتوفروا عليها فستتم متابعتهم بانتحال صفة ؟ فهل يستوي الأمر هنا دون إثارته بقبة البرلمان لايجاد حلول حقيقية ووقف العبث ؟

لم يتوقف عبد الله البقالي عند حد سلب الحقوق المكتسبة للصحافيين والصحافيات ، بل عمد إلى استغلال نفوذه وقام بالشطط في استعمال السلطة حين قام بحذف صحف من المنصة الخاصة بتجديد البطاقة المهنية حتى لا يتمكن صحافيوها من وضع طلبات الحصول على البطاقة المهنية وتجديدها لمدراء نشرها ، وزاد في استغلال نفوذه بابتزاز أصحابها بأن يقوموا بمده ببياناتهم الخاصة ، على الرغم من أنهم سبق وان وضعوا تصريحات بالملاءمة الممنوحة من طرف النيابة العامة المختصة .

البيانات الشخصية المطلوبة هي نفس البيانات التي تطلبها النيابة العامة والتي بموجبها تمنح تلك التصاريح ، وعليه فإن البقالي إما انه يطعن في مصداقية تلك الوثيقة الرسمية ، أو يشكك في نزاهة وكلاء الملك الذين يمنحون تلك التصاريح ، او يريد أن يحل بلجنته محل المؤسسات الرسمية للدولة…

إن المشكل الحاصل في قطاع الصحافة والنشر لا يتعلق بالقوانين المنظمة للمهنة ، بل يتعلق بالأشخاص الذي يريدون فرض وصايتهم قسرا على القطاع دون أن يصوت عليهم أحد ، إذ أن الملاحظ اليوم هو وجود تداخل بين العمل النقابي مع عمل مؤسسة التنظيم الذاتي للمهنة التي يجب أن تكون مستقلة ، فالبقالي أضحى يترجم مطالب النقابة الوطنية للصحافة المغربية بلجنة منح البطاقة المهنية ، تلك المطالب هي مجرد وجهة نظر لا يمكن فرضها على قطاع بأكمله دون إشراك الجسم المهني ككل بمختلف انتماءاته وتواجهاته وخطوطه التحريرية ، ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن يتم استغلال مؤسسة التنظيم الذاتي للمهنة في تصفية الحسابات مع الخصوم ، وفي النهاية لن يكون الضحية إلا الصحافيون والصحافيات وايضا صورة المغرب بأكمل والذي أضحى اليوم رئيسا لمجلس حقوق الانسان لدى الأمم المتحدة، فكيف سيستقيم الأمر ونحن نرى شخصا يقوم باستغلال نفوذه ويحرم الناس من حقوقهم المكتسبة..

لقد ارتكب عبد الله البقالي أخطاء كثيرة وأصبح نقمة على القطاع ، فمزاجيته أضحت لا تطاق والشروط التي يضعها لا سند قانوني لها ولا منطق ، إذ لا يجب في هذا الباب أن يتم ربط أداء واجبات الضمان الاجتماعي بالبطاقة المهنية ، لأن أداء الواجبات من عدمه هو من اختصاص مفتش الشغل كما أنه لا يجب فرضها على المقاولات التي لا تتلقى دعما من طرف الدولة ، في المقابل يجب فرضها على المقاولات الكبرى شريطة ألا يتم ربطها بالبطائق المهنية للصحافيين والصحافيات ، وفي حالة عدم اداء تلك الواجبات يتم اشعار الوزارة الوصية على القطاع لتمنع الدعم عن المقاولة الى حين تسوية وضعية الأجراء …

وفي هذا الباب ينبغي القول بأن الدعم يجب أن يعمم على المقاولات التي تستحق أما التي استفادت من الدعم دون أن تتطور فلا داعي لذلك لأن الوزارة وكأنها تقوم بسكب الماء في الرمال ، وهذا يعد تبديدا للمال العام ، فالمقاولات التي تستحق الدعم هي تلك التي أنشأها صحافيون رفضوا العمل في مؤسسات تهين كرامتهم ، والنقابات المهنية يجب أن تناضل من أجلهم لا أن تناضل ضدهم ، وفي هذا السياق ينبغي استحضار تدوينة عميقة لأحد العارفين بخبايا نضال بعض المتكسبين او المسترزقين من النضال حيث قال ” البعض أصبح يتحدث وكأنه من حماة مهنة الصحافة وأنه “النبي” الذي أنزل لحماية القطاع، وكأنه شرطي أو دركي، كل المقاولات فاسدة إلا هم، هم الضابطة القضائية وهم القضاة وهم الدفاع، للأسف، يدافعون عن مؤسساتهم، وكأنها الجنة، ولم يناضلوا قط داخلها، و ينظموا الوقفات الاحتجاجية أمام جميع المؤسسات الصحفية إلا مؤسساتهم التي ينظمون الوقفات التضامنية معها، سيحاسبهم التاريخ… إنهم جزء من الكل، ووللقطاع وزارة وصية يجب أن تتدخل لوقف النزيف”

إن مؤسسة التنظيم الذاتي للمهنة الممثلة في اللجنة المؤقتة لتسيير قطاع الصحافة والنشر دورها الأساسي كشرطي مرور يسهر على تنظيم السير ، ويحرر مخالفات ان تم خرق ذلك القانون ، وبالتالي فاللجنة المذكورة دورها يقتصر على تتبع تطبيق ميثاق أخلاقيات المهنة للمقاولات الإعلامية الصغرى او المتوسطة او الكبرى وليس دورها التدخل في الشؤون الداخلية للمؤسسات وما يرتبط بأجرائها الذين تجمعهم علاقة تعاقدية شغلية ، وهو الأمر ذاته الذي تقوم به هيئات المحامين بمختلف ربوع المملكة ، حيث لا تتدخل الهيئة في تسيير مكتب المحامي ، بل الأكثر من ذلك أن عددا كبيرا من المحامين والمحاميات لا يتوفرون على مكاتب ويزاولون المهنة بشكل عادي دون أن تسحب بطائقهم المهنية ،  فالصحافة والمحاماة وجهان لعملة واحدة وتجمعهما رسالة واحدة ، تلك العملة هي التي تسمى “مهنة حرة ينظمها القانون “…

لقد أصدرت  اللجنة المؤقتة لتسيير قطاع الصحافة والنشر بلاغا بتاريخ 9 يناير 2024 عقب المشاكل التي خلقها رئيس لجنة منح البطاقة المهنية وللأسف لم يكن بلاغا في المستوى بل كان ركيكا في شكله ، ضعيفا في مضمونه لأنه لم يجب عن الاسئلة الجوهرية التي تسببت في الاحتقان، وذكر التحصيل الحاصل ولم يشر ولو بجملة واحدة الى الالتزام بميثاق أخلاقيات المهنة ، لأن بعض الباطرونا الذين يدافع عنهم عبد الله البقالي لا يلتزمون بذلك الميثاق ولن يستطيع رفض بطائقهم المهنية

ما يلفت الانتباه أن البلاغ المذكور نفى نفيا قاطعا ما روجت له النقابة الوطنية للصحافة المغربية عبر بلاغها ، كون ان رفض طلبات البطائق المهنية يتعلق بخطأ تقني ، وفي هذا الصدد وجب على النقابة التي نحترمها كتنظيم عتيد أن تقوم بتقديم اعتذار رسمي لكافة الزملاء والزميلات لأنها روجت لخبر زائف …

لقد حان الوقت لتكون في عبد الله البقالي ذرة حياء ويتقاعد تقاعدا كليا لأنه اضحى عبئا وعائقا في تنظيم القطاع وتطويره وفق التطور الذي يشهده العالم والمغرب على وجه الخصوص  ، فهو نفسه يعلم علم اليقين أنه شخص غير مرغوب فيه وفي قرارة نفسه يعلم انه لو ترشح لن يتم التصويت عليه،  فحتى في الانتخابات التأسيسية للمجلس الوطني للصحافة المنتهية ولايته فقد التصق بلائحة ، فلو كان هو وكيلها فلن يتم التصويت عليها .

إن المشكلة الحقيقية في قطاع الصحافة والنشر ليست في القانون في حد ذاته ،  بل المشكلة في الذين سيفهمون ويطبقون ذلك القانون، فلو جئنا به من السويد او بلجيكا او فرنسا فسنقع دائما في المشكل لأن تطبيقه سيتم بعقليات ستالينية ، فالقانون في عمقه ليس عبارة عن مساطر شكلية مُعقدة، بل قواعد عادلة لحمايةِ حقوق النّاس ، إذ يُفترض فيه أنه يرمي إلى تحقيق الإنصاف وليس الاعتداء وسلب الحقوق المكتسبة بمزاجية وجهل مركب .

إن الهدوء و السعادة في قطاع الصحافة ستكون بعدم وجود البقالي ، ليس لأنه انسان صارم وبذكائه ينظم القطاع ، بل العكس هو الحاصل ، فالقطاع أضحى أكثر تسيبا في عهد المجلس الوطني المنتهية ولايته ، والدليل على هذا التسيب هو تلك الصحافة التي فقدت الشرف في ندوة المغنية سعيدة شرف .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *