الأنباء بوست / حسن المولوع
تتحمل عناصر الدرك الملكي بعين حرودة، وفق ما تكشفه هذه الوقائع، مسؤولية ثقيلة في واقعة كان يفترض أن تُدار بمنطق الاستعجال والوقاية، لا بمنطق الصمت والانتظار. فحين يتقدم مواطن مهدَّد بالقتل، بعد تعرضه لاعتداء جسدي موثق، ويغادر نقطة التبليغ دون حماية فعلية أو إجراء واضح، فإن السؤال لا يعود موجها للجاني وحده، بل للجهاز الذي كان مطالبا، قانونا وأخلاقا، بالتدخل لحماية الحياة قبل فوات الأوان.
بدأت القصة باعتداء عنيف داخل محل عمل مفتوح للعموم بمدينة عين حرودة بتاريخ 11 دجنبر 2025. لم يكن المكان معزولا ولا الحادثة خفية. إذ دخل شخص قوي البنية، وشرع في الصراخ والتهديد بالقتل، ثم اعتدى جسديا على صاحب المحل، دافعا إياه بعنف نحو واجهة محل مجاور، في مشهد أثار هلع العاملات واستدعى تدخل الساكنة. فالاعتداء لم يكن لحظة انفعال عابرة، بل تلاه سيل من التهديدات الصريحة بالتصفية الجسدية، ليس فقط في حق الضحية، بل في حق أبنائه أيضا، مقرونة بسب وشتم وإهانات ذات طابع تحريضي وتمييزي.
كل ذلك، حسب الشكاية التي توصلنا بنسخة منها ، موثق بالصوت والصورة عبر كاميرات المراقبة داخل المحل. أي أن عناصر الإثبات لم تكن محل شك أو اجتهاد. فهوية المشتكى به معروفة، مكان سكنه معلوم، طبيعة التهديد واضحة، وخطورته لا تحتمل التأويل. ومع ذلك، حين لجأ الضحية إلى الدرك الملكي بعين حرودة، بحثا عن الحماية قبل أي مسطرة أخرى، لم يلمس، وفق روايته، أي إجراء وقائي يوازي حجم الخطر.
هنا يتوقف السرد عند نقطة مفصلية. لأن دور الدرك الملكي، في مثل هذه الحالات، لا يقتصر على تحرير محضر أو الاستماع إلى طرف، بل يمتد إلى التقدير الاستعجالي للخطر، واتخاذ تدابير وقائية عندما يكون التهديد جديا ومباشرا. فالتهديد بالقتل، حين يصدر عن شخص سبق أن مارس العنف فعلا ، لا يدخل في خانة النزاعات العادية، بل في خانة الخطر الداهم.
منذ تلك اللحظة، تحول الاعتداء إلى أزمة ممتدة. فالضحية، حسب المعطيات المتوفرة، لم يعد قادرا على التوجه إلى محل عمله، ولا يشعر بالأمان على نفسه أو أسرته أو العاملات اللواتي يشتغلن لديه. فالخوف لم يكن نفسيا فقط، بل مؤسسا على وقائع وتهديدات متكررة. وفي غياب أي إجراء ردعي أو وقائي، بدا وكأن الرسالة غير المعلنة هي: انتظر حتى يقع الأسوأ.
هذا الوضع يفتح الباب أمام مساءلة أوسع، لا تخص هذه الواقعة وحدها، بل تمس فلسفة التدخل الأمني في قضايا التهديد. متى يُعتبر التهديد جديا؟ ومتى تتحرك آليات الحماية؟ وهل يُشترط وقوع الجريمة الكاملة حتى يُعاد تقييم مستوى الخطر؟ ثم ما معنى الأمن الوقائي إذا كان لا يُفعل إلا بعد وقوع الفعل الذي كان يفترض منعه؟
القانون الجنائي المغربي واضح في تجريم التهديد بالقتل، والضرب والجرح، والسب والإهانة، والتحريض على الكراهية. غير أن وضوح النصوص لا يحمي الأرواح إذا لم يُترجم إلى ممارسة ميدانية حازمة. فالفجوة بين النص والتطبيق هي التي تصنع المآسي، وهي التي تجعل المواطن يشعر، في لحظة الخطر، أنه وحيد.
اليوم، يوجد الملف بين يدي النيابة العامة بالمحمدية ، وهي الجهة المخولة دستوريا وقانونيا بفتح البحث وترتيب المسؤوليات. غير أن مسؤولية الدرك الملكي، في هذه المرحلة، ليست فقط قانونية محتملة، بل أخلاقية ومؤسساتية. لأن أي تقصير، إن ثبت، لا يمس فردا واحدا، بل يمس الثقة في جهاز يفترض فيه أن يكون خط الدفاع الأول عن سلامة المواطنين.
هذا التحقيق لا يصدر أحكاما، ولا يدعي امتلاك الحقيقة الكاملة، لكنه ينطلق من معطيات موثقة، ويطرح سؤالا لا يمكن القفز عليه: إذا كان التهديد بالقتل، المقرون بالعنف، والمثبت بالتسجيلات، لا يستدعي حماية فورية، فمتى تتحرك الحماية؟ وقبل ذلك: من يتحمل مسؤولية الانتظار إذا تحقق ما كان يُخشى منه؟
السؤال مطروح الآن، لا بعد فوات الأوان.
شارك هذا المحتوى
