ما هي أسباب وخلفيات التهجم على أمنيين كبار ومسؤولي الإعلام بالمغرب ؟

الأنباء بوست / حسن المولوع 

بلغ التهجم مداه على المؤسسة الأمنية بالمغرب ، وفاق كل الاحتمالات والتصورات ، وصار اختلاق الشائعات شعار من أطلقوا على أنفسهم عبثا لقب “معارضين” ، إذ وظفوا كل الإمكانات المتاحة من أجل النيل من مسؤولين كبار بالمملكة المغربية لهم وضعهم الاعتباري المحترم بالبلاد ، ولهم ثقة الشعب المغربي و اجماع وطني على أنهم هم الركيزة الأساسية باعتبارهم صخرة الأمن التي يتفتت فوقها الإرهاب والاجرام العابر للحدود . ولعل من أبرز هؤلاء هو السيد عبد اللطيف الحموشي، المدير العام للأمن الوطني ومراقبة التراب الوطني ، هذا الرجل الذي استطاع بحنكته الجمع بين جهازين محققا نجاحا لافتا جعله يحظى بشعبية كبيرة و باهتمام الصحف العالمية ، من خلال “غاراته” التي شنها على الخلايا الإرهابية وتفكيكها ، الأمر الذي وضعه أمام الرادار الأمني والاستخباراتي العالمي بحكم خبرته التي استفاد منها خبراء أوروبيون في الإرهاب

آخر تلك الشائعات هي المزاعم التي تداولتها بعض وسائل الإعلام ووكالة الأنباء الرسمية الجزائرية بشأن مذكرات توقيف صدرت في حق مسؤولين أمنيين مغاربة وهو الأمر الذي فنده رسميا المتحدث باسم وزارة الشؤون الخارجية القبرصية، تيودوروس غوتسيس قائلا عبر تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء أن “السلطات المختصة في قبرص، أي المصالح القضائية والشرطة، تؤكد أن هذه المزاعم لا أساس لها من الصحة على الإطلاق”. وأضاف أن الأمر يتعلق بـ”أخبار زائفة”، مشددا على أنه “ليس هناك أي قضية جنائية ولم يتم إصدار أي مذكرة توقيف في حق الأشخاص الذين أشارت إليهم وسائل الإعلام المذكورة”.

فماهي خلفيات وأسباب استهداف المؤسسة الأمنية في شخص مديرها العام السيد عبد اللطيف الحموشي ؟

في مسألة الخلفيات

يمكن اجمال خلفيات استهداف المؤسسة الأمنية من طرف بعض اليوتيوبرز من أصل مغربي والذين تحرك بعضهم الآلة الاستخباراتية الجزائرية ، او من طرف النظام الجزائري نفسه،  في مسألة واحدة ، وهي تلك المتعلقة بالتشكيك في الثقة التي أصبحت تحضى بها هذه المؤسسة لدى الإنتربول الذي قرر تنظيم مؤتمره بالمغرب ولدى مختلف الدول التي انخرط  معها المغرب في توجيه ضربات للعصابات المنظمة والجريمة العابرة للحدود خاصة المرتبطة بالاتجاد الدولي للمخدرات ، وضربات في العمق للمنظمات الإرهابية وتفكيك ألغاز أحداث إرهابية وقعت في دول اوربية . كل ذلك جعل اسم قائد المؤسسة الأمنية بالمغرب راسخا في ذاكرة أجهزة الاستخبارات الأوربية، وبالخصوص الفرنسية والإسبانية والبلجيكية والألمانية، وجعل من المخابرات المغربية محور حديث صالونات الاستخبارات العالمية. وبالتالي  فإنه من الطبيعي أن يكون شخص السيد عبد اللطيف حموشي في فم مدفع الاستهداف والتهجمات والحملات الممنهجة التي هي ليست وليدة اليوم خاصة من طرف النظام الجزائري الذي أضحى يتيما الأمر الذي دفعه لصياغة خبر زائف قصد تقديمه للرأي العام الجزائري وذلك في اطار سياسته الموجهة للداخل والمعتمدة أساسا على الكذب وخلق الشائعات ، بدليل أن هذا الخبر الزائف لم يلق أي صدى لدى وسائل الاعلام الدولية ، كل ما في الأمر أن واحدة تقطن بقبرص اختلقت كذبة وتلقفتها وكالة الأنباء الجزائرية دون أن تتحرى المصداقية لتسقط في خطأ أخلاقي ومهني جسيم يستوجب منها الاعتذار خصوصا بعد تكذيبه رسميا من طرف المتحدث باسم وزارة الخارجية القبرصية

ومن هذا المنطلق، لا بد من طرح سؤال حول الأسباب التي تدفع بعض اليوتبرز لاستهداف شخص عبد اللطيف الحموشي بشكل خاص والمؤسسة الأمنية بشكل عام

في مسألة الأسباب

لا يجادل أحد في خلفيات استهداف المؤسسة الأمنية وبخاصة مديرها العام السيد عبد اللطيف الحموشي المشهود له بالكفاءة دوليا وليس فقط على الصعيد الوطني ، وإنما الجدل حول تحديد العوامل المتسببة في هذا الاستهداف ، وفي محاولة لتجاوزها يبدو التشخيص ضروريا ،  فالتباين في الرؤى حول طبيعة التشخيص لا ينبغي أن ينطلق من منظور أحادي في التعاطي مع ظاهرة الإستهداف الممنهج بشكل شبه يومي لهذا المسؤول الذي له وضع اعتباري وحساس بالدولة ، بقدر ما يستوجب استحضار مجموع الأسباب التي تساعد على الفهم والاحاطة بالموضوع  ، ومن هنا نرصد  ملاحظات مركزية ، كل واحدة ترصد السبب من زاويتها الخاصة .

الناطقون باسم المؤسسة الأمنية من خارجها

الملاحظة الأساسية التي يمكن رصدها في هذا الباب هو أن هناك بعض الحسابات الفيسبوكية وبعض القنوات على اليوتيوب او  التيك توك جندت نفسها عن طواعية لتكون ناطقة باسم المؤسسة الأمنية لغاية في نفوسها ، وللإشارة أننا نحن كجسم مهني في قطاع الصحافة نعلم علم اليقين أن مؤسسات الدولة لا يعبر عن مواقفها وأنشطتها سوى من هم مكلفون رسميا بذلك ، عبر خلية التواصل المركزية التي توجد بالمديرية العامة للأمن الوطني أو بخلايا التواصل الموزعة على مختلف ولايات الأمن الموجودة بمختلف ربوع المملكة .

بعض ممن  تجندوا عن طواعية للتكلم باسم المؤسسة الأمنية هم في الحقيقة سبب الأزمة البنيوية التي تخلق هذا الاستهداف ، حيث أصبح شخص المدير العام للأمن الوطني ضحية مزايدات وملاسنات، باسم الدفاع عنه، وهو في الأصل لا يحتاج الى دفاع ، ذلك أن كلمة دفاع توحي في عمقها أن الرجل ضعيف ويحتاج لمن يدافع عنه ، وهذا إن دل فإنما يدل عن عدم احترام هذه المؤسسة وانتحال صفة الناطق باسمها ، بحيث أن الدفاع عن أي مؤسسة من مؤسسات الدولة يقتضي بالضرورة احترامها وتوقيرها ، لا أن يوحي لمن يتابعون حسابه الفيسبوكي أنه على صلة بهذه المؤسسات وأن ما يقوله يعبر عنها ، فالمؤسسة الأمنية على وجه الخصوص لها طرقها في التواصل عبر اصدار بلاغات رسمية يتوصل بها الصحافيون بغرض انتاج مادة إعلامية لتقديمها للرأي العام ،  ولا تعتمد بأي شكل من الأشكال على حسابات فيسبوكية يستغلها أصحابها لممارسة التشهير والابتزاز وتصفية الحسابات عبر ايهام البعض بأنهم موجهون من طرف عناصر أمنية ويمتلكون معطيات حصرية غير متاحة لأحد،مع استحضار بعض الأصوات التي يحركها وازع الوطنية الصرفة في الدفاع عن صورة البلاد ومسؤوليها، ولا احد يمكن أن يزايد على وطنية أي أحد بصرف النظر عن انتمائه للمؤسسات من عدمه.

فما الذي يحدث بسبب ذلك ؟

في الوقت الذي تتجاهل خلية التواصل المركزية  لغو مجموعة من اليوتيوبرز من أصل مغربي ، وتعتبر أغلبهم لا يستحق الرد والبعض الآخر يمارس حقه في الانتقاد طالما أنهم ملتزمون بالمسؤولية والاحترام ومراعاة القوانين ، يعمد مجموعة من أصحاب الحسابات الفيسبوكية وقنوات اليوتيوب على تقديم أنفسهم مدافعين عن هذه المؤسسة بشكل غير ناضج ويفتقد لأسس التواصل السوي من خلال الرقي وحسن الخطاب والمقارعة بالفكر والحجة حتى وإن كان الطرف الآخر قليل الحياء ، بل هو يتخذ هؤلاء أي أصحاب الحسابات الفيسبوكية من ” المعاطية ” والتشهير ، وكلام ” الزناقي ” شعارا للدفاع،  على الرغم من أن المؤسسة قوية وطنيا ودوليا وليست بحاجة الى  “لعب الدراري” الدي تختلط فيه تقية المواطنة المزيفة بالمصالح الخاصة.

ولا يقتصر ” لعب ” هؤلاء عند حد الرد على يوتيوبرز الخارج،بل يمتد الى التهجم على أشخاص، من فاعلين مدنيين وحزبيين وإعلاميين وطنيين، واتهامهم بأنهم ضد المؤسسات، مع ادعاء حيازة ملفات تدينهم، مما يوحي وكأن هذه الاتهامات صادرة عن هذه المؤسسات أو مسؤولين ما ، كما يعمد مثل هؤلاء بتوزيع الاتهامات يمينا وشمالا ، ويشرعون في تصنيف الناس على هواهم بين هذا خائن للوطن وبين الحديث عن مؤامرات تمس النظام العام ، او تستهدف شخصيات سامية او مؤسسات حساسة ، وفي هذا السياق يصبح تدخل النيابة العامة الموقرة أمرا مهما للقيام بالحزم في مثل هاته الأمور عبر إعطاء اوامرها للفرقة الوطنية  لتقوم بالبحث مع أصحاب هاته الحسابات الفيسبوكية لأن ضرهم أضحى أكثر من نفعهم ولا يمكن القبول بأي وجه من الأوجه بأن يتم اقحام شخصية سامية في البلاد في هكذا صراعات وملاسنات

المؤسسات قوية بالدستور والقانون وليس بالفيسبوك

من الأكيد أن المؤسسات السيادية في هذا البلد، هي مؤسسات قوية، ومنظمة، ولها ناطقون باسمها، وحين تريد أن تخاطب الرأي العام ،  فإنها تخاطبه بوسائلها المهنية، من بلاغات وبيانات، وتصريحات مسؤوليها، وندوات صحفية او عبر الإعلام الرسمي المتمثل في وكالة المغرب العربي للأنباء ، فجميع المؤسسات السيادية لها هيبتها وحساسيتها في البلاد ، وهي قوية بالدستور والقانون ، وهي التي تدافع عن المواطن ولا تنتظر منه الدفاع عنها ، فكل مواطن مغربي هو مدافع بالضرورة عن الوطن ومؤسساته ورموزه وتاريخه ومصالحه، فتلك أمور غير خاضعة للمزايدات ، فإذا كان كل مواطن يؤدي عمله بإخلاص ونبل وفق تخصصه، فذلك دفاع عن الوطن في حد ذاته ، ذلك ان رجال ونساء الامن والدرك الملكي والقوات المسلحة الملكية  يسهرون ويضحون ليعيش المواطن في أمن وأمان ، ونساء ورجال التعليم والصحة في المدن والمداشر و أعالي الجبال يقومون بكل جهد لخدمة المواطنين والمواطنات ،  ورجال ونساء الإعلام يسهرون على تنوير الرأي العام  ، وعمال النظافة الذين يستيقظون في الصباح الباكر حيث قساوة البرد ونحن ننعم بدفء بيوتنا يكنسون الشوراع لنمشي فوقها نظيفة، وجميع فئات المجتمع تسهر على خدمة بعضها البعض ، مما يجعل هذا الوطن قويا ومتماسكا ، فالفُرقة هي التي تنهك أي وطن وتضعف مؤسساته ، والإساءة للمؤسسات هي أن تقوم مجموعة من أصحاب الحسابات الفيسبوكية على نشر الكراهية والتفرقة وتصريف حسابات شخصية تحت مسمى الدفاع عن المؤسسات التي لم توكل أحدا للدفاع عنها ، ومن هذا المنطلق يستحسن من أي أحد أن يحترم حدود تدخله واختصاصاته سواء القانونية او الأخلاقية

يتوهم بعض اليوتيوبرز من أصل مغربي و الذين يقطنون بالخارج أنهم حين يتحدثون عن المؤسسة الأمنية وعن مديرها العام السيد عبد اللطيف حموشي ، يمكن أن يزعزع استقرار المملكة ويمكن أن يفقد المواطن المغربي ثقته في هذه المؤسسة ، وما يزيد من وهمهم هو حين يتم الرد عليهم من طرف أصحاب تلك الحسابات الفيسبوكية ، اعتقادا منهم أن عناصر توظف مثل هؤلاء للرد عليهم ، فيتم بذلك خلق صراعات وملاسنات ويصبح اليوتيوب كسوق عكاظ ، وتناسى هؤلاء أن المؤسسة الأمنية لها آلياتها التواصلية المهنية للرد في الوقت الذي يتطلب منها الرد وفي الوقت المناسب ، ولذلك وكما سبقت الإشارة إليه، أن أصحاب تلك الحسابات الفيسبوكية أضحى ضرهم أكثر من نفعهم ، وما ادعاؤهم بالدفاع عن المؤسسات ، إلا بحث عن عطايا وامتيازات ، فلا أحد بالمملكة له جرعات زائدة في الوطنية ، وما وقع مؤخرا في الموضوع المرتبط بقبرص جاء نتيجة الردود والردود المضادة او لنقل ” المعاطية ” عبر اقحام شخصيات لهم وضعهم الاعتباري في البلاد ، فما كان لما وقع أن يقع لو لم يتم الاهتمام به ، كان بالإمكان الاكتفاء ببلاغ على الأقل وفي أقصى الأحوال ندوة صحفية وينتهي الموضوع ، دون أن تتم صناعة بطلة من واحدة لا تستحق الاهتمام واعتبار ما تقوله مجرد أقوال تخرج من لسان المرفوع عنهم القلم ، فتلك معروفة منذ زمن بشطحاتها الفيسبوكية واليوتيوبية، ولطالما اتهمت أشخاصا بالتحرش بها والادعاء بأن لها قوة ونفوذ ، وفي كل ذلك هو بحث عن الشهرة لا غير ، ولقد حققت مرادها بصنيعها هذا ، في الوقت الذي كان ينبغي تجاهلها دون النزول لمستواها

يقع كل ذلك في ظل غياب صحافة حقيقة وجادة عن الساحة ، فما هي أسباب غياب الصحافة الحقيقة ؟

عندما يغيب القط عن الدوار يصبح الفأر مؤذنا

لو كانت الصحافة تقوم بأدوارها الحقيقية، لن تقوم قائمة لمن يطلقون عن أنفسهم معارضين عن طريق اليوتيوب ، ولن يكون هناك أشخاص يجندون أنفسهم عبر ادعاء أنهم يدافعون عن المؤسسات ، لأن الصحافة في فلسفتها هي صمام أمان كل المؤسسات السيادية في البلاد ، وهي الصورة البراقة لأي وطن ، وهذا الغياب او التغييب تكلفته باهضة ، تؤدي ثمنه اليوم مؤسسات البلاد وسمعة الوطن .

إن غياب الصحافة الجادة اليوم مرده الى السجال الذي امتد وتفرع حتى وصل لصراعات شخصية مريضة أحيانا ، إذ تم خلق بيئة صعبة وغير صحية ، أصبح فيها الصحافي مستهدفا من طرف زميله وأصبح ما يسمى بالمؤثر جزءا من النقاش وفاعلا وضاغطا غير عابىء بأي شيء ، و أصبح الصحافي مادة للتناول والتشهير والتبخيس ، سيما من طرف أعداء الخارج .

في ظل هذا المناخ غير السليم ، جاءت أزمة المجلس الوطني للصحافة وما تلاها من نقاشات مرتبطة باللجنة المؤقتة لتسيير قطاع الصحافة والنشر ، إذ كانت هذه الأخيرة هي النقطة التي أفاضت الكأس ليصبح الجسم المهني مشتتا ، وهذا التشتت منح للمتربصين بنا فرصة للنيل من صورة المغرب ، كل هذا جاء نتيجة إضعاف إعلاميينا وخلق حالة التشتيت غير محسوبة العواقب ، ما جعل خيوط التأثير الإعلامي مكشوفة للعام والخاص بسبب التراشق والإصطفاف المجاني ، فاتسعت الفجوة وارتفع منسوب الاستهداف والصراع والخلاف ، حتى إن رئيس اللجنة المؤقتة لتسيير شؤون قطاع الصحافة والنشر تعرض هو الآخر للإستهداف من طرف الموقع الإلكتروني المسمى الشروق نيوز ، ولا أحد من الجسم المهني استنكر ذلك ، كما لو أن الصحافيين دخلوا غرفة اللامبلاة

تغير وجه المغرب كثيرا خلال العشرين سنة الأخيرة ، لكن عندما تطل على مشهده الإعلامي تتحسر ، ولا شك أن شخصيات سامية في البلاد على اطلاع بما يقع وتقول في قرارة نفسها أن هذا البلد يستحق الأفضل في مجال الإعلام .

التوترات والصراعات في مجال الإعلام أتاحت الفرصة لأعداء الوطن من أن يستفيدوا من فراغ الساحة ، وشرعوا في اتخاذ منصات اليوتيوب منابر خطابة لهم ، واضحوا يقومون بتقديم المعلومات ، وهي في الحقيقة سموم ، والمواطن لا يجد صمام أمان ينقده من تلك السموم ، هذا الصمام هو الإعلام الجاد الذي يتحلى بالنزاهة والمصداقية ، فلو كان موجودا لما اتجه المواطنون أفواجا الى تلك المنصات اليوتيوبية ، اوبالأحرى لا ما وجدت أصلا تلك القنوات لأن حضورها سيكون باهتا وستتلاشى في شهور أو أسابيع لأنها ستجد الأمواج عاتية ، تتشكل من صحافيين لهم قوة الفكر والقلم .

أسباب ضعف الجسم الإعلامي

إن المغرب اليوم يعيش حالة من تفكك التركيبة الإعلامية  التي تمتد لعدة عقود ، تلك التركيبة مرتبطة بالتنظيمات المهنية وبتجربة المجلس الوطني للصحافة وبالقوانين التي أثبتت انعدام جدواها ، وكذلك الركود على المستوى التشريعي والالتزام بدفاتر التحملات بالنسبة للإعلام السمعي البصري وعدم توقيعه عقد برنامج الشركات السمعية البصرية وعدم ظهور قنوات تلفزيونية جديدة تنافس الاعلام الدولي ، وبالتالي فنحن اليوم أمام وضع متأزم في شموليته ، خلق اعلاما غير منتج لا يتعاطى مع القضايا ، فنسبة القراءة أضحت شبه منعدمة ، أما أخلاقيات المهنة أضحت مهمشة وتم التمكين لصحافة الميكروفونات التي همها الوحيد هو البحث عن أعطاب المجتمع وكل ما من شأنه خلق الإحساس باللا أمن  الإعلامي، بعيدا عن الأدوار الحقيقية التي يتأسس عليها الإعلام

ما أصبح سائدا اليوم في مجال الإعلام هو حالة الغضب الشديد ، بعدما تم اغتصاب الدستور الذي نص على التنظيم الذاتي للمهنة حيث أظهرت الممارسة أن هناك من قفز على النص الدستوري بغاية تفصيل مجلس وطني للصحافة على المقاس  وتهميش صوت المهنيين وتعسف السلطة التنفيذية والانتصار للمحاصصة السياسية في تدبير قطاع يفترض أن يكون تعدديا ونابعا من القاعدة، كرافعة حقوقية ومجتمعية وإعلامية للتنمية التي رفع سقفها جلالة الملك

إعلام فاشل تهديد وجودي للدولة

إن ارتفاع منسوب الهجومات الإعلامية الآتية من الخارج، سواء ممن يسمون أنفسهم معارضين فاشلين، أو سواء من دول مارقة، باستحضار مؤشرات فشل وتفكك المنظومة الإعلامية الوطنية،يفرض إعادة التفكير في بناء أرضية صلبة لإعلام مواطن وتفاعلي وتعددي وفق أسس جديدة تتجاوز إخفاقات الحاضر والماضي وتؤسس للمستقبل.

وإن التفكير الأولي يجب أن يوجه لرد الاعتبار للأساس الدستوري الدي يؤطر التنظيم الذاتي وأن يوجه للمؤسسات التنظيمية الديموقراطية بخلق تشاركية فعلية في القطاع وردع المتلاعبين بمستقبل المهنة لأهواء ومصالح ضيقة، من خلال العودة للمسار الانتخابي وتعزيز قيم التشاركية بناء على الأسس الدستورية وإطلاق ورش الإصلاح الدي يجب أن يكون نتاج حوار مجتمعي وحقوقي غير صوري.

وإلى جانب هدا التأطير الدستوري والقانوني،يمكن القول إن بلورة مشروع دعم تكميلي يتجاوز هفوات وأعطاب القانون الجديد، يعطي فسحة وآلية لتعزيز التعددية أخدا بعين الاعتبار تباين إمكانيات المقاولات وخصوصياتها، فمن يتحكم في الموارد، يتحكم في التأثير.

وتحصيل ما سبق، أن إعلاما مواطنا قويا قادرا على مواجهة تحديات الخارج، لا يمكن بأي حال من الأحوال، أن يتبلور إلا من خلال إجراءات شجاعة ومستعجلة،تتأسس على خلق بيئة إعلامية صحية، تتمتع بشروط المهنية والتعددية والتشاركية، وتقوم على أسس دستورية وقانونية وتتعزز هذه الرؤية بإجراءات عملية في ما يخص الدعم والتمويل الموجه للإعلام العمومي والخاص والجهوي.

ولنقلها بصدق الصادقين: لن نكون قادرين على مواجهة المستقبل وإكراهاته ما لم نستطع أن نؤسس لمنظومة إعلامية صلبة تنتج خطابا إعلاميا ناضجا.

 ففي البدء والمنتهي، نحن أمام أزمة صحافة وأزمة خطاب تتهددنا جميعا، فهل نكون أو لا نكون…

هذا هو الأساس ، وبالإعلام الجاد والحقيقي تصبح للمؤسسات السيادية صمام أمان ، ويعيش المواطن في امان بعيدا عن سموم معارضة اليوتيوب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *