الأنباء بوست/ حسن المولوع
أجّلت محكمة الاستئناف بالرباط النظر في ملف الصحافي ومدير نشر موقع “بديل أنفو” حميد المهداوي إلى السادس والعشرين من مايو الجاري، بعد جلسة مطوّلة انعقدت الإثنين وامتدت من الساعة الثالثة بعد الزوال حتى منتصف الليل، عرفت نقاشا قانونيا محتدما حول الطلبات الأولية والدفوع الشكلية التي تقدّم بها دفاع المهداوي.
وقد شهدت الجلسة حضورا مكثفا لمحامين وحقوقيين وصحافيين وعدد كبير من المتضامنين، في أجواء طبعتها مرافعات مطوّلة وتوترات عرضية عكست حساسية الملف وطابعه الرمزي، لا سيما وأن المتابعة تأتي على خلفية تصريحات بثها المهداوي عبر موقعه الإلكتروني ومنصته على “يوتيوب”، تتناول قضايا الشأن العام وتنتقد أداء مؤسسات رسمية، وهي التصريحات التي اعتبرها الدفاع تندرج في إطار حرية التعبير وممارسة المهنة الصحافية.
خلال الجلسة، ركّز دفاع الصحافي المهداوي على الدفع بعدم ملاءمة المتابعة بمقتضيات القانون الجنائي، مطالباً بضرورة اعتماد قانون الصحافة والنشر، على اعتبار أن التصريحات موضوع المتابعة صدرت في إطار ممارسة مهنية محضة. واعتبر المحامون أن متابعة صحافي بموجب القانون الجنائي تمثل نكوصا تشريعيا وتراجعا عن الضمانات التي وفرها المشرع للصحافيين في إطار قانون الصحافة والنشر.
الجلسة، التي اتسمت في بعض مراحلها بالتوتر، شهدت احتجاجا من طرف بعض أعضاء هيئة الدفاع بعد امتناع رئيس الجلسة عن منح الكلمة لكل من الأستاذ محمد حداش والأستاذة خديجة الروكاني، قصد التعقيب على مداخلة ممثل النيابة العامة. وقد دفع هذا التوتر برئيس الهيئة إلى رفع الجلسة لبعض الوقت قبل استئنافها لاحقا وسط أجواء أكثر انضباطا.
وتقدّم الدفاع بعدة ملتمسات، من بينها المطالبة باستبعاد تقرير ضابط الشرطة القضائية بدعوى أنه تضمّن أحكاما جاهزة وتوجيها غير محايد للنيابة العامة، مستخدما ألفاظا من قبيل “افتراءات” و”اتهامات” و”تعمد الخلط”، وهي في مجملها توصيفات اعتبرها الدفاع خارجة عن نطاق المعاينة التقنية ومؤثرة على سير العدالة. كما أشار إلى أن الضابط اكتفى بنسخ ولصق مضامين شكاية وزير العدل، دون القيام بما يلزم من تحرّ واستقلالية في التمحيص والمعاينة.
وطالب دفاع المهداوي باستدعاء الشاهد محمد أوزين، كما التمس إجراء خبرة تقنية وعرض الأشرطة موضوع المتابعة داخل الجلسة حتى يتسنى فهم سياق التصريحات التي أدلى بها الصحافي المهداوي، وتبيان المعنى الذي قد يكون أُخرج عن سياقه الأصلي.
وفي إحدى أهم لحظات الجلسة، أثار المهداوي أمام المحكمة مسألة غياب استقلالية مؤسسة كتابة الضبط، باعتبارها تابعة تنظيميا وإداريا لوزارة العدل، في وقت يشكل فيه وزير العدل الطرف الذي تقدم بالشكاية ضده، وهو ما رأى فيه اختلالا يمس بمبدأ الحياد ويقوّض ثقة المتقاضين في المؤسسة القضائية.
وخلال مداخلتها، لفتت المحامية خديجة الروكاني الانتباه إلى أن ممثل النيابة العامة، بصفته ممثلا للقضاء الواقف، كان عليه أن يلقي كلمته واقفا، لا أن يجلس على نحو يُماثل فيه هيئة القضاء الجالس، مؤكدة أن احترام التقاليد القضائية ليس مسألة شكلية بقدر ما هو مبدأ مؤسّس لتوازن المحاكمة. وقد حال غياب مكبرات الصوت داخل قاعة الجلسة دون تمكن الصحافيين الحاضرين من الاستماع بوضوح إلى مرافعة النيابة العامة، وهو ما حرمهم من نقل مضمونها بدقة إلى الرأي العام، في مشهد يعكس تحديات التغطية الإعلامية لمحاكمات تهم الشأن العام.
وسجل الدفاع أيضا أن النيابة العامة كان يفترض بها أن ترفض أي تدخل في صلاحياتها، مشيرا إلى أن رئيس الحكومة التمس منها متابعة الصحافي المهداوي، رغم أنه، دستوريا وقانونيا، لا يملك هذا الحق. واعتبر الدفاع أن هذا السلوك يطرح علامات استفهام حول مدى احترام مبدأ استقلال النيابة العامة. كما دفع ببطلان الاستدعاء وببطلان المتابعة استنادا إلى ما وصفه بإخلالات شكلية مرتبطة بعدم احترام مقتضيات قانون المسطرة الجنائية وقانون الصحافة والنشر .
وعلى الرغم من أن هذه المحاكمة تتعلق بصحافي بسبب مهنته، إلا أن النقابة الوطنية للصحافة المغربية غابت عن هذه الجلسة ولم ترسل من يمثلها كإجراء رمزي، مما اعتبره مراقبون دليلا على تأثير غير مباشر يمارسه وزير العدل المشتكي على مواقف النقابة، وربما تخوّفها من المساس بالدعم العمومي الذي يصل إلى حوالي 100 مليون سنتيم سنويا، بالإضافة إلى الدعم المخصص لجمعيتها الموازية، وهو دعم تمنحه وزارة الشباب والثقافة والتواصل التي يتولى حقيبتها الوزير المهدي بنسعيد المنتمي لنفس حزب وزير العدل عبد اللطيف وهبي. كما لم يصدر أي موقف رسمي عن المجلس الوطني للصحافة أو اللجنة المؤقتة لتسيير قطاع الصحافة والنشر بشأن هذه المتابعة، في وقت يرى فيه العديد من المهنيين أن صمته يطرح تساؤلات حول مدى قيامه بدوره في الدفاع عن حرية الصحافة وكرامة الصحافيين.
ومع اختتام الجلسة، قررت المحكمة تأجيل النظر في الملف إلى الإثنين المقبل، في أفق البت في الدفوع الشكلية ومواصلة مناقشة الموضوع. وتُعد محاكمة الصحافي حميد المهداوي واحدة من القضايا البارزة التي تعيد طرح إشكالية حرية التعبير والصحافة وحدودها في المغرب، إلى جانب النقاش حول مدى استقلالية القضاء والتأثير السياسي على العدالة، في سياق لا يزال يثير اهتمام الهيئات الحقوقية والإعلامية داخل البلاد وخارجها.
شارك هذا المحتوى
