هل يعتبر قطع العلاقات الدبلوماسية مؤشرا لنشوب حرب محتملة؟ وهل سيكتفي نظام العسكر الجزائري عند هذا الحد؟

د.مراد احتي
باحث في القانون والسياسات العمومية

أثار دهشة مجموعة من المواطنين سواء في المغرب أو الجزائر القرار الانفرادي الذي اتخذته دولة الجزائر والذي يقضي بقطع العلاقات الدبلوماسية بين المغرب والجزائر ابتداء من يوم الأربعاء 24 غشت 2021، لكن الدارس لحقل القانون الدولي والمتتبع لما يجري في الساحة الدولية أو الممارس في هذا المجال لن يتأثر أو يندهش من هذا القرار، حيث إن هنالك مجموعة من الدارسين والباحثين الذين تنبؤوا بهذا القرار الانفرادي المتخذ من النظام الجزائري. ولعل ما أثار دهشة المواطنين ليس هو القرار بحد ذاته بقدر ما أدهشهم عدم فهمهم لقرار قطع العلاقات الدبلوماسية الذي اتخذته الجزائر، حيث قد يتساءل سائل عن ماذا يقصد بقطع العلاقات الدبلوماسية بين دولتين؟ وما هي آثاره؟ أو بالأحرى هل يمكن أن يكون سببا في إعلان الحرب بين المغرب الجزائر؟

مبدئيا إن قرار قطع العلاقات بين الدول سواء كان انفراديا أو جماعيا يعد من أسوء مظاهر العلاقات بين الدولتين، لأنه إجراء عملي يتسبب في إنهاء الصلات الودية التي كانت قائمة بينهما قبل قطع العلاقات، وعلى هذا الأساس فإن الدول لا تلجأ إلى هذا القرار إلى في حالات شاذة جدا.

ويقصد بقطع العلاقات الدبلوماسية إنهاء العلاقات بين الدولتين ووضع حد لقنوات التواصل المعروفة على الصعيد الدولي، بمعنى إنهاء لمراكز الاتصال الدبلوماسية من سفراء وقنصليات وبعثات، ومن ناحية الشرعية القانونية لهذا القرار فهو قرار سيادي للدول وهو إجراء عملي قانوني شريطة أن يتعلق الأمر بخطر على الأمن الداخلي للدول، وما يثبت ذلك هو نازلة سابقة تتمثل في اتخاذ حكومة أوروكواي قرارا بقطع علاقاتها الدبلوماسية بالاتحاد السوفييتي سابقا عام 1936، فلقد أثيرت هذه المسألة أمام مجلس عصبة الأمم بناء على طلب حكومة الاتحاد السوفييتي التي ادعت أن قطع العلاقات من جانب واحد يعتبر إخلالا بعهد عصبة الأمم، في حين جاء الرد من حكومة أوروكواي بحق كل دولة في قطع العلاقات الدبلوماسية مع أي دولة في حالة وجود خطر على أمنها القومي، أما بالنسبة لعصبة الأمم فقد اكتفى مجلسها بالتعبير عن أمله في أن يزول سوء التفاهم بين الدولتين دون اتخاذه لأي قرار إجرائي ما ضد دولة الأوروكواي.

فقطع العلاقات الدبلوماسية لا يعتبر سوى صورة من صور تدهور العلاقات ما بين الدولتين، بيد أن ما يمكن تسجيله على مستوى القرار الإنفرادي الذي اتخذته الجزائر هو استناده على مجموعة من التبريرات الواهية والباطلة والوهمية فقط من أجل تمويه الرأي العام الدولي ومحاولة إقناع الشعب الجزائري بقرار يفتقد للمشروعية رغم شرعيته (فهو قرار قانوني ولكنه لا يمثل الإرادة العامة للشعب الجزائري).

فالنظام الجزائري يعلم ذلك لكنه يستمر في استفزازاته للمغرب في مقابل حكمة هذا الأخير وإحتكامه للعقل ومنطق المصلحة المشتركة والصالح العام للمغرب الكبير، وهو ما يؤكده بشكل قوي الرد المغربي على القرار الجزائري، والذي تأسف فيه لقرار الجزائر المستند على أسباب عبثية ووهمية، وأكد أن المغرب سيظل شريكا صادقا للشعب الجزائري، كما صرح بأنه سيواصل العمل بحكمة ومسؤولية من أجل تنمية علاقات مغاربية مسؤولة، وهنا لابد أن يلاحظ المتتبع للموضوع حكمة المغرب ورصانته البالغة على خلاف النظام الجزائري السفيه الذي لم يحتكم يوما إلى العقل وإلى منطق المصلحة المشتركة لشعوب المغرب الكبير.

أما بالنسبة لما يمكن أن يترتب عن قرار قطع العلاقات الدبلوماسية بين دولتين، فعموما ينتج عن القرار آثار متوقعة؛ إذ على المستوى السياسي يؤدي إلى إنهاء التمثيل الدبلوماسي المباشر بين الدولتين المعنيتين، ولكن ما ينبغي الإشارة إليه هنا هو أن قطع العلاقات لا يعني سحب الإعتراف من الناحية السياسية، أما على المستوى الاقتصادي فقرار قطع العلاقات الدبلوماسية يؤدي إلى قطع العلاقات الاقتصادية بين الدولتين، لكن ما ينبغي الإشارة إليه هو أن اتخاذ قرار مثل هذا يفترض وجود وضع اقتصادي يسمح بممارسة هذا الضغط.

لكن في حالة المغرب والجزائر فأزعم أنه يمكن للأمور أن تتطور إلى أكثر من هذا، وذلك في حالة استمرار النظام العسكري الجزائري في التصعيد ومحاولة استفزاز المغرب لاسيما بعد إفصاح الجزائر عن رغبتها في تشديد المراقبة الحدودية وهو ما يحيل إلى محاولة استفزاز الجنود المغاربة.
فالواضح من الأسابيع الأخيرة ولاسيما من خلال اتهام الجزائر للمغرب باستعمال برنامج تجسس “البيغاسوس”، وبعدها اتهامه مجددا بدون أي دليل بالتسبب في اندلاع الحرائق بغابات تيزي وزو وسطيف وبجاية، بالإضافة إلى استناد الجزائر في قرارها على حرب الرمال 1963 كسبب تاريخي ماض ومتجاوز جدا دون مراعاة التطورات الحاصلة في العلاقات الدولية، يبين بشكل جلي الحقد الدفين الذي يجعل من عداء العسكر الجزائري للمغرب عقيدة وليس مجرد سياسة. وهو ما يطرح الأسئلة التالية:

هل ستكتفي الجزائر عند هذا الحد؟ وهل ستدع ملف الصحراء بين يدي الأمم المتحدة وتبتعد عن الموضوع؟ هل بعد قرار قطع العلاقات سيتم إغلاق ملف المغرب نهائيا وستنصرف الجزائر لحل مشاكلها الداخلية من أزمة صحة وأزمة الخبز والأموال المنهوبة؟ أم أنها ستواصل تصرفاتها العدوانية تجاه المغرب بأساليب وأنماط أخرى سيكشفها المستقبل؟

وعلى سبيل الختم يبدو أن نظام العسكر الجزائري ماض في التصعيد بعد ما فشل في استنزاف المغرب الذي استمر في إنجازاته التنموية وفي إصلاحاته المؤسساتية، تاركا نظام الحكم العسكري مهتما فقط بالشؤون الداخلية للمغرب، دون أن يهتم بشؤون الجزائري العالقة، وأزعم أن الجزائر بعد اتخاذها لقرارها الانفرادي بقطع العلاقات لن تكتفي وتقف عند هذا الحد، بل ستستمر في استفزازاتها الواهية والبئيسة، في مقابل استمرار المغرب شامخا متقدما وحكيما في إصلاحاته وإنجازاته التنموية والمؤسساتية والاقتصادية، مهتما بشؤونه الوطنية ومعالجة قضاياه الداخلية، بالإضافة إلى مواصلة دوره الإنساني الريادي على المستوى القاري والجهوي والإقليمي والدولي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *