الأنباء بوست
عاد الجدل حول مشروع قانون مهنة المحاماة ليحتل صدارة النقاش العمومي في المغرب، وسط تباين في المواقف بين من يرى أن المحامين يدافعون عن امتيازات مهنية خاصة، ومن يعتبر أن ما يجري يتعلق في العمق بضمانات أساسية لحماية حق المواطن في محاكمة عادلة. وبين هذه القراءات المتعارضة، تبدو الحاجة ملحة إلى نقاش هادئ يقترب من جوهر الإشكال بعيدًا عن الأحكام المسبقة والانطباعات السريعة.
في هذا السياق، خصص برنامج «وجه وحوار» حلقة خاصة استضاف فيها الأستاذ الدكتور خالد الإدريسي، المحامي وعضو مجلس هيئة المحامين بالرباط، في محاولة لتفكيك خلفيات الأزمة ووضعها في إطارها المهني والحقوقي. النقاش انطلق من سؤال مركزي يختزل جوهر الجدل الدائر اليوم: هل يتعلق الأمر بالدفاع عن امتيازات مهنية، أم بحماية استقلالية مكون أساسي من مكونات منظومة العدالة؟
خلال الحوار، تم التوقف عند الخلط الحاصل في الرأي العام بين مفهوم الامتيازات ومفهوم الضمانات، حيث تم التأكيد على أن ما يُوصف أحيانا بالحصانة المهنية لا يهدف إلى حماية شخص المحامي، بقدر ما يروم حماية وظيفة الدفاع نفسها. فالمحامي، بحكم موقعه، قد يجد نفسه في مواجهة السلطة أو الإدارة أو حتى الرأي العام، وهو ما يفرض توفير شروط قانونية ومهنية تتيح له أداء دوره بحرية واستقلال. وفي هذا السياق، يبرز المعنى الأعمق للنقاش، إذ إن أي مساس باستقلالية المحامي لا ينعكس عليه وحده، بل يمتد أثره إلى حق المواطن في دفاع حر وفعّال، وهو ما يمس جوهر المحاكمة العادلة.
النقاش لم يقتصر على المبادئ العامة، بل امتد إلى خلفيات التوتر بين وزارة العدل وهيئات المحامين، في ظل تساؤلات حول مدى احترام مخرجات المشاورات التي جرت سابقا، وحول طبيعة العلاقة بين التدبير السياسي للملف ومضامين النصوص المقترحة. كما تم التوقف عند بعض التصريحات الرسمية، خاصة في شقها المالي، وما أثارته من ردود فعل داخل الجسم المهني، في سياق يشعر فيه عدد من المحامين بأن صورتهم أصبحت عرضة للتشويه، خصوصا مع تصاعد خطاب رقمي يقدمهم كفئة تدافع عن مصالحها الخاصة على حساب المصلحة العامة.
وفي امتداد لهذا النقاش، تطرقت الحلقة إلى تعديلات قانون المسطرة الجنائية، باعتبارها جزءا من التحولات التي تعرفها منظومة العدالة، مع التركيز على انعكاساتها العملية على حقوق الدفاع وحدود التوازن بين متطلبات النجاعة الأمنية وضمانات المحاكمة العادلة. وهنا برز سؤال أعمق يتعلق بالفجوة الممكنة بين النص القانوني والممارسة الفعلية، ومدى قدرة الإصلاحات التشريعية وحدها على تحسين واقع العدالة دون مواكبتها بثقافة حقوقية وممارسة مهنية مستقلة.
كما توقف الحوار عند موقع حقوق الإنسان داخل المنظومة القضائية، حيث تم التأكيد على أن التحدي الحقيقي لم يعد فقط في تطوير النصوص، بل في ضمان تنزيلها واحترامها في الواقع العملي. وبين نصوص توصف بالتقدم النسبي، وإكراهات الممارسة اليومية داخل المؤسسات القضائية، يظل الرهان معلقًا على بناء ثقة حقيقية في العدالة ومكوناتها.
ومن بين النقاط التي أثيرت أيضا، التحول الذي تعرفه صورة المحامي داخل المجتمع، في ظل تصاعد خطاب تبسيطي على منصات التواصل الاجتماعي، يحول قضايا معقدة إلى صراع بين فئات مهنية ومصالح عامة. غير أن النقاش داخل الحلقة حاول إعادة الأمور إلى سياقها الحقيقي، باعتبار أن المحاماة، تاريخيًا، ليست مجرد مهنة، بل جزء من توازن العدالة، وأن استقلالها يظل عنصرًا أساسيًا في ضمان ثقة المتقاضين في المؤسسات.
في النهاية، بدا واضحا أن ما يجري اليوم يتجاوز حدود خلاف مهني حول نص قانوني، ليطرح سؤالًا أوسع حول مستقبل العدالة في المغرب، وحدود التوازن بين التنظيم والاستقلال، وبين ضرورات الإصلاح ومتطلبات حماية الحقوق. وبين خطاب يدعو إلى تحديث المهنة، ومخاوف من المساس باستقلالها، يظل الرهان الحقيقي هو الحفاظ على عدالة فعالة، لكنها مستقلة، ومنظومة منظمة، لكنها محصنة بما يكفي لحماية حق المواطن قبل أي اعتبار آخر. فالقضية، في جوهرها، قد تبدو مرتبطة بالمحامين، لكنها في النهاية تتعلق بثقة المواطن في العدالة نفسها.
شارك هذا المحتوى
