الأنباء بوست/ حسن المولوع
في حياتي، تعلّمتُ أن الوفاء لا يُقاس بعدد المتابعين ولا بحجم الإعجابات، بل بالأفعال حين تضيق الدوائر وتُغلق الأبواب. ففي زمن كانت فيه ظروفي قاسية، وكان الصمت أثقل من الكلام، كان إدريس شحتان الوحيد الذي مدّ يده دون أن أطلب، ودون أن ينتظر مقابلا، ودون أن يُحوّل الفعل الإنساني إلى منّة أو دعاية. فعن هذا الفعل البسيط ـ والبسيط هنا عظيم ـ أقول بوضوح: يستحق الاعتراف والاحترام.
لم يقف إلى جانبي من كنت أظنهم سندا، أولئك الذين ضحّيتُ من أجلهم ودَفعتُ ثمن إخلاصي لهم، بعضهم خذلني، وبعضهم أنكر، وبعضهم آثر السلامة. لكنني لم ألتفت. يكفيني أنني كنت مخلصا لضميري ولمبادئي. فالخسارة الحقيقية ليست أن تُخذَل، بل أن تخون نفسك.. وهذا الفعل الإنساني الذي قام به إدريس شحتان يعكس نُبلا نادرا، لا يُقاس بالاختلافات ولا يُلغيه الجدل، ويستحق أن يُقال مهما كانت الآراء الأخرى حول الرجل.
أكتب هذه السطور وأنا أعلم ـ علم اليقين ـ أنها ستجرّ عليّ وابلا من السبّ والتأويل، من أولئك الذين يختلفون مع إدريس شحتان، أو يتخذونه خصما جاهزا لكل معركة. لكنني سأتحمّل، لأن كلمة الحق لا تُقال حين تكون آمنة، بل حين تكون مكلفة. أقولها إخلاصا لضميري، لا انتصارًا لشخص، ولا اصطفافا مع جهة.
وقد يتساءل البعض: لماذا الآن؟ ما الداعي إلى الكتابة اليوم عن هذا الرجل؟
والجواب بسيط ومعقّد في آن واحد: لأن إدريس شحتان اليوم يتعرض لحملة شيطنة شرسة، حملة نزعت عنه صفة الإنسان، وحوّلته إلى كائن شيطانيّ بلا وجه ولا تاريخ. وفي مثل هذه اللحظات، يصبح الصمت مشاركة في الظلم. لا يحق لي أن أكون متفرجا، خاصة ونحن نناقش قرار المحكمة الدستورية المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة، وقبل ذلك ـ وهذا الأهم ـ نتحدث عن الإنسان إدريس شحتان.
من أراد محاسبة من أساء لمهنة الصحافة حقا، فليتجه إلى حيث كانت تُصنع الكارثة بهدوء. لنسأل: من كان يقرّر في منح البطاقات المهنية طيلة سبع سنوات؟ تلك البطاقة التي أصبحت، في لحظة عبث، متاحة لمن لا علاقة له بالمهنة، تُمنح للنجار والحداد، وتُحرم منها أقلام درست وتكوّنت وناضلت. فمن أغرق القطاع ببطاقات لا نعرف اليوم من يحملها ولا بأي صفة؟ ثم يخرج علينا بعضهم ليتحدث عن النزاهة والضمير! فيا لها من وقاحة ، أكل من الضبع وبكى مع الراعي.
من حق أي مواطن ألا يعجبه الخط التحريري لقناة شوف تيفي التي يديرها إدريس شحتان، فالاختلاف حقّ. لكن ليس من حق الصحافي أن يُسقط المنافسة المهنية ويستبدلها بالتحريض. فمن يعتبر شوف تيفي غير مهنية، فليكن هو النموذج، وليكن هو الأكثر انتشارا، وليفرض مهنيته بالفعل لا بالشتائم. وأنا هنا لا أدافع عن الخط التحريري لشوف تيفي، بل عن مبدأ بسيط: التنافس لا التشويه.
وبخصوص قرار المحكمة الدستورية، لفت انتباهي أن السهام وُجّهت كلّها نحو إدريس شحتان، وكأنه ممثل الحكومة أو صانع القوانين. وأنا، بحكم معرفتي بجزء من كواليس المشهد منذ سنوات، أعلم أن هذه الضجة ذات خلفية سياسية صِرفة، تُدفع على حساب حقوق الصحافيين. فما ذنب الصحافيين والصحافيات في هذه الصراعات؟ ما ذنبهم أن يُجمَّد المجلس الوطني للصحافة، وأن يُحرموا من بطائقهم المهنية لسنة كاملة، ومن بطائق القطار، وأن تتعطل ملفات الدعم؟
وهنا بالضبط، لا بد من قول الحقيقة كاملة:إدريس شحتان، بصفته رئيسا للجمعية الوطنية للإعلام والناشرين، لم يُقدِّم مشروعه يوما في صيغة استعراض أو دعاية، ولم يفرضه على أحد، بل اشتغل عليه في هدوء، وربما أُخذ عليه ـ عن حق أو عن سوء فهم ـ أنه لم يُطلع الجميع على تفاصيله، خاصة في شقه المتعلق بتأهيل المقاولات الصحافية الصغرى والمتوسطة، وهي الفئة الأوسع عددا والأكثر هشاشة داخل القطاع. اليوم، يرتفع خطاب الإقصاء، ويُروَّج أن هناك تهميشا متعمَّدا، مع أن الجمعية لم تكن أصلا ممثَّلة في المجلس الوطني للصحافة في تركيبته السابقة. ومن يتحدث عن الإقصاء، فهناك مؤسسة دستورية اسمها المحكمة، وهي نفسها التي يُجمع الجميع اليوم على الإشادة بها والاحتكام إلى قراراتها. فإذا كنا نثق في المحكمة ونمنحها صك النزاهة، فلماذا هذا التوجس؟ ولماذا هذا الشك الانتقائي؟ ففي النهاية، الصحافيون والصحافيات، وأصحاب المقاولات الإعلامية، هم وحدهم من سيختارون من يخدمهم بصدق، لا من يستعملهم كورقة ضغط في معارك حزبية ضيقة، لا علاقة لها لا بالمهنة ولا بمستقبلها.
الأخطر من ذلك أن تعطيل المجلس الوطني للصحافة يفتح الباب أمام فراغ قانوني خطير. فإذا وقع أي مشكل، سيتابع الصحافي بالقانون الجنائي بدل قانون الصحافة والنشر، لأنه ببساطة لا يتوفر على بطاقة مهنية. فالقضاء لن يدخل في التأويلات السياسية، بل سيحكم بالنصوص المتاحة. فهل تتحمل فرق المعارضة هذه النتائج؟ أم أن الصحافي سيُترك وحيدا مرة أخرى في مواجهة المجهول؟
جميل أن تتحرك فرق المعارضة دفاعا عن دستورية القوانين، وأقولها بصدق: أن تأتي متأخرا خير من ألا تأتي. لكن الغريب حقا هو موقف بعض مكونات المعارضة، التي كانت مع مشروع القانون ثم انقلبت عليه فجأة، بدوافع حزبية وتنظيمية واضحة. مع العلم أن رئاسة المجلس الوطني للصحافة في ولايته المنتهية كانت محسوبة على أحد هذه الأحزاب نفسها، وهو ما يجعل الخطاب الحالي أقرب إلى تصفية حسابات منه إلى دفاع مبدئي عن المهنة.
المشهد أوضح من أن يُخفى: معارضة لم تلتئم يوما لرفع ملتمس رقابة لإنقاذ الشعب، لكنها التقت بسرعة لإسقاط قانون حين مسّ مصالح المنتمين إليها.
حقوق الصحافيين عُطّلت، الاتفاقية الجماعية جُمّدت، الأجور ظلت رهينة الحسابات، ثم جرى اختزال كل هذا في اسم واحد: إدريس شحتان.
وأنا أعود إلى البداية، لا لأكررها، بل لأؤكدها: أنا لا أكتب دفاعا عن رجل، بل عن فكرة.
فكرة أن الإنسان لا يُحاكَم خارج إنسانيته، وأن الصحافة لا تُنقذ بالشيطنة، بل بالصدق، وأن الوفاء ـ في زمن القحط ـ فضيلة نادرة تستحق أن تُقال، ولو دفعتُ ثمنها غاليا.
هذا كلام نابع من القلب… ومن القلب وحده.
شارك هذا المحتوى
