بقلم فدوى هاشم
يأتي عيد الحب بوصفه لحظة رمزية مكثفة تتقاطع فيها العاطفة مع الثقافة والسوق والإعلام، فيتحول الحب من تجربة و جدانية داخلية إلى مشهد اجتماعي معلن يخضع لمنطق العرض والمقارنة والتقييم. وفي هذا التحول تتكشف أبعاد نفسية عميقة تتجاوز حدود الاحتفال، إذ يصبح اليوم ذاته ساحة لإعادة اختبار الإحساس بالانتماء، وقيمة الذات، ومعنى القبول العاطفي. فمن منظور علم النفس الاجتماعي، تؤكد نظرية الحاجة إلى الانتماء التي صاغها باوميستر وليري (1995) أن تكوين روابط مستقرة ودافئة ليس ترفا عاطفيا، بل دافع إنساني أساسي تتأسس عليه الصحة النفسية والشعور بالأمان. وعندما يسلط الضوء اجتماعيا على العلاقات الرومانسية في يوم محدد، فإن هذا الدافع يتضخم في الوعي الجمعي، فيشعر الأفراد بضرورة إثبات حضورهم العاطفي أو قياسه بمعايير مرئية، وكأن الانتماء ذاته يحتاج إلى شهادة علنية.
بالنسبة للمرتبطين، قد يتحول الاحتفال إلى اختبار ضمني لجودة العلاقة، فينشأ ضغط للحفاظ على صورة مثالية تعكس الانسجام والسعادة. أما غير المرتبطين، أو من يعيشون علاقات هشة، فقد يختبرون شعورا متجددا بالنقص أو الإقصاء، خاصة إذا اقترن ذلك بهشاشة في تقدير الذات أو بتاريخ من الرفض العاطفي. هنا لا ينبع الألم من غياب الشريك فحسب، بل من تضخم رمزية الغياب داخل سياق احتفالي يعلي من قيمة الارتباط بوصفه معيارا للنجاح الشخصي، فيتحول اليوم إلى مرآة تعكس ما ينقص أكثر مما تعكس ما هو قائم.
وتزداد حدة هذا الأثر في ظل بيئة رقمية تُكثّف المقارنة الاجتماعية كما وصفها فيستنغر (1954)، حيث يميل الأفراد إلى تقييم ذواتهم عبر مقارنة علاقاتهم بعلاقات الآخرين. غير أن وسائل التواصل الاجتماعي أضافت بعدا بصريا أكثر تعقيدا، إذ تعرض اللحظات المنتقاة بعناية بوصفها تمثيلا كاملا للحياة العاطفية، بينما تحجب الصعوبات اليومية التي تشكل بنيتها الحقيقية. وقد أشارت توينج (2019) إلى أن الاستخدام المكثف للمنصات الرقمية يرتبط بارتفاع مؤشرات القلق والاكتئاب، خصوصا حين تتسع الفجوة بين الواقع والصورة المعروضة. وهكذا يصبح الحب قابلا للقياس بعدد الهدايا، أو بحجم التفاعل الرقمي، أو بمدى علنية التعبير، فيتحول من علاقة حميمية إلى أداء اجتماعي يخضع لرقابة ضمنية.
غير أن جودة العلاقات، كما تؤكد أبحاث ريس وآرون (2000)، لا تقاس بطقوس الاحتفال، بل بعمق التفاعل العاطفي واستمرارية الاستجابة المتبادلة بين الشريكين.
فالتقارب النفسي يتشكل من لحظات الإصغاء والدعم والتفهم والاعتراف المتبادل، وهي عناصر لا تختزل في يوم واحد مهما بلغت رمزيته. وعلى المستوى العصبي، تشير دراسات هيلين فيشر (2004) إلى أن مشاعر الحب تنشط نظام المكافأة في الدماغ وترتبط بإفراز الدوبامين والأوكسيتوسين، ما يعزز الإحساس بالنشوة والقرب. غير أن تحويل هذه المشاعر إلى معيار للتقييم الاجتماعي قد يقلب التجربة من مصدر للدفء إلى بؤرة للضغط، خصوصًا لدى من لم تلتئم جراحهم العاطفية بعد، أو ممن يحملون ذاكرة حساسة تجاه الرفض.
وتشير تقارير الجمعية الأمريكية لعلم النفس إلى أن المناسبات الاجتماعية الكبرى قد ترتبط بارتفاع مستويات القلق المرتبط بالأداء والتوقعات الاجتماعية، وهو ما يجعل بعض الأفراد أكثر عرضة للشعور بالتوتر خلال أيام يُفترض أنها احتفالية. إن المفارقة تكمن في أن اليوم الذي يراد له أن يحتفي بالحب قد يوقظ في البعض إحساسا حادا بالوحدة، لا لغياب الحب بالضرورة، بل لهيمنة معايير اجتماعية تختزل قيمته في مظاهر قابلة للمقارنة وتخضعه لمنطق التقييم العلني.
من ثم يبدو عيد الحب، بوصفه مناسبة رمزية مكثفة، كأنه يضع الحب تحت مجهر اجتماعي دقيق؛ يكشف قوة الروابط لدى من يعيشون أمانا عاطفيا حقيقيًا، ويكشف في الوقت ذاته هشاشة التجارب غير المكتملة. وبين الحاجة الأصيلة إلى الانتماء وضغط المقارنة الاجتماعية يتحدد الأثر النفسي لهذه المناسبة. وربما تكمن القيمة الأعمق لهذا اليوم في قدرته على إعادة مساءلة معنى الحب ذاته: أهو عرض اجتماعي ينتظر التصفيق، أم علاقة إنسانية تنمو في المساحات الهادئة من القبول والدعم والتواصل الصادق؟ فالحب، في جوهره، ليس صورة تنشر، بل تجربة ارتباط عميق تمنح الذات إحساسها بالأمان والمعنى.
المراجع
باوميستر، روي إف، وليري، مارك ر. (1995). الحاجة إلى الانتماء: الرغبة في تكوين روابط شخصية دائمة. مجلة النشرة النفسية، 117(3)، 497–529.
فيستنغر، ليون (1954). نظرية المقارنة الاجتماعية. العلاقات الإنسانية، 7، 117–140.
توينج، جان م. (2019). الأجيال والوسائط الرقمية وتأثيرها في الصحة النفسية. مجلة علم النفس الاجتماعي والشخصية.
ريس، هاري ت.، وآرون، آرثر (2000). القرب في العلاقات العاطفية وجودة التفاعل. في: دليل العلاقات القريبة.
فيشر، هيلين (2004). لماذا نحب: طبيعة الحب وكيمياء العاطفة. نيويورك: هنري هولت.
الجمعية الأمريكية لعلم النفس (APA). تقارير حول الضغط الاجتماعي والمناسبات الكبرى والصحة النفسية.
شارك هذا المحتوى
