الأنباء بوست / حسن المولوع
أحدث قرار المحكمة الدستورية المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة ضجّة سياسية غير مسبوقة، ضجّة لا تعكس في عمقها حرصا حقيقيا على حقوق الصحافيين ولا دفاعا صادقا عن حرية الإعلام، بقدر ما تكشف عن صراع حزبي ضيق، جرى فيه توظيف “الدستور” كشعار، لا كمرجعية، وتحوّل فيه الصحافيون والصحافيات إلى وقود لمعركة لا ناقة لهم فيها ولا جمل.
السؤال الجوهري الذي تمّ القفز عليه عمدا: ما ذنب الصحافيين والصحافيات في هذه الصراعات الحزبية؟ ما ذنبهم في تجميد المجلس الوطني للصحافة، وتعطيل منح البطائق المهنية برسم السنة المنصرمة؟ ما ذنبهم في حرمانهم من بطائق القطار، وفي تهديد منظومة الدعم العمومي للمقاولات الصحافية؟ وما ذنبهم حين يجدون أنفسهم، في حالة المتابعة القضائية، أمام خطر الإحالة على القانون الجنائي بدل قانون الصحافة والنشر، فقط لأنهم لا يتوفرون على بطاقة صحافة مهنية؟
القضاء لا يحكم بالنوايا ولا بالسجالات السياسية، بل يحكم بالنصوص القانونية المعروضة أمامه. وإذا غابت البطاقة المهنية، فلن يدخل القاضي في حيثيات “تعطيل المجلس” أو “الخلافات السياسية”، بل سيطبق القانون المتاح. فهل ستتحمل فرق المعارضة هذه النتائج؟ أم أن الصحافيين، مرة أخرى، مطالبون بدفع فاتورة صراعات لا تمسهم إلا من حيث الأضرار؟
لا أحد يعارض، من حيث المبدأ، أن تتحرك فرق المعارضة دفاعا عن دستورية القوانين. بل إن ذلك يدخل في صميم دورها. وفعلا، “أن تأتي متأخرا خير من ألا تأتي”. غير أن الإشكال لا يكمن في التوقيت فقط، بل في الانتقائية، وتناقض المواقف، وتوظيف الدستورية حين تخدم الحسابات الحزبية فقط.
وهنا يبرز نموذج صارخ: فريق الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية.
هذا الفريق كان إلى وقت قريب، مع مشروع القانون المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة. بل دافع عنه داخل المسار التشريعي. ثم فجأة، وبدون أي تفسير مقنع للرأي العام المهني، انقلب ضده، وكأن النص تغيّر بين ليلة وضحاها.
الأكثر من ذلك، أن رئيس المجلس الوطني للصحافة المنتهية ولايته ينتمي إلى حزب الاتحاد الاشتراكي. ومع ذلك، لم يمنع هذا الحزب نفسه من خوض معركة سياسية ضد القانون، في مشهد لا يمكن فصله عن معطيات أخرى متداولة داخل الوسط المهني، تشير إلى محاولات فرض أسماء بعينها داخل تركيبة المجلس، من بينها مدراء جرائد حزبية كعبد الحميد جماهري والمهدي مزواري الذي لا علاقة له بالممارسة الصحافية المهنية بالمعنى الدقيق (ضابط الكهرباء ) ، بقدر ما يرتبط بمنطق الامتياز والريع الحزبي.
فهل نحن أمام دفاع عن التعددية؟ أم أمام ضغط سياسي من أجل الحفاظ على مواقع النفوذ داخل مؤسسة يفترض أنها مهنية مستقلة؟
ولا يقف الأمر عند هذا الحد. فالفريق الاتحادي يدافع أيضا عن عبد الكبير أخشيشن، رئيس النقابة الوطنية للصحافة المغربية، المنتمي بدوره إلى الحزب نفسه. وهنا يصبح من المشروع طرح السؤال: أين ينتهي الدفاع عن المهنة، وأين يبدأ الدفاع عن التنظيم؟
أما الفريق الحركي التابع لحزب الحركة الشعبية، فتشير معطيات متداولة داخل الكواليس السياسية إلى أن إلياس العماري، الأمين العام السابق لحزب الأصالة والمعاصرة، يحرك جزءا من هذه المعركة من الخلف، في سياق تصفية حسابات سياسية قديمة، ومحاولة ضرب مشروع الوزير المهدي بنسعيد، المسؤول عن قطاع التواصل والقيادي بحزب الأصالة والمعاصرة. فمرة أخرى، الصراع حزبي، والواجهة مهنية، والضحية واحدة: الصحافي.
وبالنسبة لفريق حزب التقدم والاشتراكية، فالأمر لا يقل وضوحا. إذ يتخذ موقفه دفاعا عن رئيس الفيدرالية المغربية لناشري الصحف، الذي يصادف أنه مدير جريدة الحزب. وهنا تتقاطع السياسة بالإدارة بالمصلحة المباشرة، في مشهد يصعب تسويقه أخلاقيا أو مهنيا.
فماذا نستنتج من كل هذا؟
نستنتج أن هذه المعارضة، بكل مكوناتها، لم تلتئم يوما لرفع ملتمس رقابة لإسقاط الحكومة بدعوى إنقاذ الشعب، لكنها التقت بسرعة قياسية لإسقاط قانون، ليس لأنه خطر على حرية الصحافة، بل لأنه لا يخدم مصالح منتمين إليها.
نستنتج أن حقوق الصحافيين جرى تعطيلها: الاتفاقية الجماعية مجمّدة، الأجور مجمّدة، المجلس مجمّد، والبطاقة المهنية رهينة صراع سياسي.
والأخطر أن الوضع تمّ تشخيصه بشكل فجّ، وتحويله إلى معركة ضد أشخاص بعينهم، وعلى رأسهم إدريس شحتان، في تصفية حسابات لا علاقة لها لا بالمهنة ولا بالإصلاح، بل بتوازنات داخلية وحساسيات حزبية قديمة.
وهنا تبرز مسؤولية إدريس لشكر، الكاتب الأول لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية.
لشكر الذي يقدّم نفسه كحارس للتاريخ النضالي للحزب، مطالب اليوم بتفسير هذا التناقض الصارخ في مواقف فريقه، وبالجواب عن سؤال بسيط: هل الاتحاد الاشتراكي يدافع عن استقلالية المهنة؟ أم عن نفوذه داخلها؟ هل يتحرك باسم الصحافيين؟ أم باسم شبكات تنظيمية داخل النقابة والمجلس؟
الصحافيون لا يطلبون المستحيل..يطلبون فقط ألا يكونوا حطبا لصراع حزبي، وألا تُجمّد حقوقهم باسم معارك لا تخدمهم، وألا يُستعمل الدستور كشعار ظرفي، ثم يُنسى حين تتغيّر المواقع.
الدستورية ليست انتقائية، وحرية الصحافة لا تُجزّأ، وكرامة الصحافيين لا ينبغي أن تكون رهينة حسابات إدريس لشكر ولا غيره.
لقد قالت المحكمة الدستورية كلمتها.
ويبقى السؤال معلقا: من سيحاسب السياسيين الذين حوّلوا هذا القرار إلى سلاح ضد المهنيين؟
الصحافيون والصحافيات لا علاقة لهم بصراعات القيادات ولا بحروب المواقع داخل الأحزاب والنقابات والهيئات المهنية. هم لا يعيشون على البيانات، ولا يحتمون بالشعارات، بل يشتغلون في واقع هشّ، بأجور مجمّدة، وضمانات ضعيفة، ومخاطر قانونية حقيقية. وحين تُعطَّل المؤسسات، وتُجمَّد الحقوق، ويُترك الصحافي عاريا من بطاقته المهنية، فذلك ليس “نقاشا دستوريا”، بل عبث سياسي بثمن مهني باهظ.
من أراد الإصلاح فليأتِ ببرنامج واضح، قابل للتنفيذ، يحسّن شروط الاشتغال، ويحمي الصحافي من الهشاشة والمتابعة والابتزاز. أما من يصرخ أكثر، ويزايد أعلى، ويستثمر في الفوضى ليحافظ على نفوذه، فلا يمثل الصحافيين، ولا يتحدث باسمهم، مهما ادّعى.
الصحافيون ليسوا وقودا لصراع الزعامات، ولا دروعا بشرية لتصفية الحسابات، ولا سلعة تفاوض في بازار السياسة.
كرامة الصحافي والصحافية فوق كل اعتبار، وفوق كل حزب،
وفوق كل نقابة، وفوق كل حساب ضيق.
ومن لا يفهم ذلك اليوم، سيفهمه غدا… لكن بعد أن يكون قد خسر ما تبقى من ثقة هذا الجسم المهني.
شارك هذا المحتوى
