الأنباء بوست
منذ سنوات، لم تعد قضية النقيب محمد زيان مجرد ملف معروض أمام القضاء، بل تحوّلت إلى واحدة من أكثر القضايا إثارة للنقاش في المشهد الحقوقي والقانوني المغربي. تعددت المتابعات، تشعّبت المساطر، وتغيّرت السياقات، بينما ظل السؤال نفسه مطروحا بإلحاح: هل نحن أمام مسار قضائي عادي، أم أمام قضية تتقاطع فيها السياسة بالقانون؟
قرار محكمة النقض الأخير أعاد هذا الملف إلى واجهة النقاش العمومي، لا بسبب مضمونه فقط، بل بسبب ما يطرحه من إشكالات قانونية تتعلق بتأويل النصوص، ودمج العقوبات، وضمانات المحاكمة العادلة، وحدود السلطة التقديرية للقضاء في القضايا ذات الحساسية السياسية. وهو قرار فتح الباب أمام قراءات متباينة، بين من اعتبره تصحيحا لمسار قضائي شابته اختلالات، ومن رآه حلقة إضافية في مسلسل متواصل من المتابعات.
في قلب هذا النقاش، يظهر البعد الإنساني للقضية، حيث يجد محام نفسه في موقع مزدوج: يدافع عن القانون باعتباره ممارسة مهنية، ويدافع عن والده باعتباره التزاما عائليا وأخلاقيا. فهذا الموقع الاستثنائي لا يطرح فقط أسئلة تقنية، بل يكشف حجم الضغط الذي قد يعيشه المحامي حين تختلط المرافعة بعبء القرابة، وحين يصبح الدفاع اختبارا مزدوجا للمهنية وللإنسان في آن واحد.
قضية محمد زيان لا يمكن فصلها عن السياق العام الذي تعرفه المهنة القانونية بالمغرب، في ظل الجدل المتواصل حول مشروع قانون مهنة المحاماة، والتعديلات التي طالت قانون المسطرة الجنائية، وما تثيره من مخاوف لدى فاعلين مهنيين وحقوقيين بشأن توازن العلاقة بين الدفاع والنيابة العامة، وضمان حقوق المتقاضين، واستقلالية القرار القضائي. في هذا السياق، تُقرأ هذه القضية باعتبارها مرآة لأسئلة أوسع تتعلق بوظيفة القضاء، وحدود السلطة، ومكانة الحقوق والحريات في الممارسة اليومية.
بعيدا عن الجوانب التقنية، تحمل القضية رمزية خاصة، بالنظر إلى المسار السياسي والحقوقي للنقيب محمد زيان، وما ارتبط باسمه من مواقف صدامية وخيارات أثارت الجدل لسنوات. لذلك، فإن محاكمته لا تُقرأ فقط بوصفها تطبيقا للقانون، بل باعتبارها حدثًا عامًا تتداخل فيه الاعتبارات القانونية بالسياسية، ويصعب فيه الفصل بين النص والسياق.
في هذا الإطار، يأتي بث حلقة خاصة من برنامج «وجه وحوار» على منصة الأنباء بوست، والتي تستضيف الأستاذ علي زيان، محامي بهيئة الرباط، في حوار يحاول تفكيك هذا الملف من الداخل، انطلاقًا من التجربة لا من الرواية الجاهزة، ومن الأسئلة لا من الأحكام المسبقة. حلقة لا تسعى إلى تقديم موقف نهائي، ولا إلى استدرار التعاطف، بقدر ما تهدف إلى وضع المعطيات في سياقها القانوني والإنساني، وترك مهمة الربط والاستنتاج للمشاهد.
في انتظار ما ستكشفه تطورات هذا الملف، يظل السؤال مفتوحا: كيف يمكن بناء عدالة تُطبق القانون دون أن تتحول القضايا إلى رسائل، وتضمن الحقوق دون أن تُفرغ النصوص من روحها؟ سؤال يتجاوز قضية واحدة، ليطال علاقة الدولة بالقانون، والمجتمع بالقضاء.
شارك هذا المحتوى
