الأنباء بوست
لم يكن خروج محمد أوزين، الأمين العام لحزب الحركة الشعبية، من داخل قبة البرلمان لمهاجمة موقع إلكتروني بعينه، بدعوى محاربة التفاهة والتشهير، فعلا معزولا عن سياقه السياسي والتشريعي، ولا يمكن قراءته باعتباره موقفاً أخلاقياً مجردا. فالتوقيت، وطبيعة الاتهامات، والجهة المستهدفة، كلها عناصر توحي بأن الأمر يتجاوز بكثير خطابا انفعاليا أو دفاعا عن القيم، ليدخل في إطار صراع سياسي معقّد تُستعمل فيه أدوات الإعلام والتشريع والبرلمان في آن واحد.
حين يختار مسؤول حزبي الحديث عن التفاهة والتشهير من داخل المؤسسة التشريعية، فإن المنطق يفرض أن يتناول الموضوع ضمن رؤية شمولية تتعلق بالمنظومة الإعلامية برمتها، من قوانين التنظيم الذاتي إلى أدوار الهيئات والمؤسسات والمسؤوليات المشتركة، لا أن يُختزل النقاش في مؤسسة إعلامية واحدة دون غيرها. فهذا الانتقاء في الاستهداف يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول خلفيات الخطاب ودوافعه الحقيقية، خاصة وأن التفاهة والتشهير، هما ظاهرتان عابرتان للمنصات ولا ترتبطان بمؤسسة بعينها.
معطيات متداولة في الأوساط الإعلامية والسياسية تشير إلى أن هذا الخروج لم يكن بريئا، بل يندرج ضمن ما يشبه حربا بالوكالة، تُدار من خلف الستار، هدفها إعادة ترتيب النفوذ داخل الحقل الإعلامي وضرب توازناته. وفي قلب هذه المعطيات، يعود اسم إلياس العماري، الأمين العام السابق لحزب الأصالة والمعاصرة، الذي ظل حاضرا في كواليس السياسة رغم خروجه الرسمي من الواجهة الحزبية.
إلياس العماري، حين كان يقود حزب الأصالة والمعاصرة، بنى مشروعه السياسي على مواجهة الإسلاميين، وعلى رأسهم حزب العدالة والتنمية، معتمدا خطابا صداميا واستراتيجية تقوم على الإقصاء لا المنافسة. غير أن هذه الاستراتيجية انتهت إلى فشل واضح، سياسي وانتخابي، ما دفع الرجل إلى مغادرة قيادة الحزب وسط سياق من التراجع وفقدان التأثير العلني. لكن الخروج من القيادة لم يكن، بحسب متابعين، خروجا من دائرة القرار أو الطموح السياسي.
في مرحلة من مراحل صراعه مع الإسلاميين، حاول العماري الاستثمار في الإعلام باعتباره أداة للتأثير وصناعة الرأي العام. فكانت مشاريع إعلامية متعددة، من بينها جريدة “آخر ساعة”، والموقع الإلكتروني “كشك”، ومجلة “لكل النساء”، غير أن هذه المشاريع انتهت إلى الفشل الذريع، ليس فقط على المستوى التجاري أو التحريري، بل أيضا على المستوى الاجتماعي، حيث وجد عدد من الصحافيين والعاملين أنفسهم دون عمل، ودون ضمانات، في واحدة من أكثر التجارب الإعلامية إثارة للجدل في السنوات الأخيرة.
بعد فشل المواجهة السياسية المباشرة مع الإسلاميين، وفشل الاستثمار الإعلامي التقليدي، تفيد معطيات إعلامية بأن العماري حاول العودة من جديد عبر مدخل أكثر حساسية، يقوم على اللعب على الوتر الشعبي المتعلق برفض التفاهة والتشهير، وهما موضوعان يحظيان بإجماع اجتماعي واسع. ووفق نفس المعطيات، فقد جرى الإعداد لإطلاق مجلة تُقدَّم على أنها متخصصة في التحقيقات الصحفية، وتعتمد على أسماء راكمت حضورا مثيرا للجدل في الفضاء الفيسبوكي، عُرفت بأسلوبها الحاد وخطابها التصادمي في تناول القضايا العامة، وهو ما يثير تساؤلات مشروعة حول طبيعة هذا المشروع وحدود استقلاليته، وحول ما إذا كان الهدف هو ترسيخ صحافة استقصائية مهنية، أم توظيف مفهوم “التحقيق” كأداة ضمن صراعات سياسية وإعلامية قائمة.
هذه المعطيات تعزز فرضية أن الهدف ليس بناء إعلام مهني مستقل، بل خلق أداة جديدة لتصفية الحسابات وإعادة التموضع السياسي، خصوصا في ظل الحديث المتداول عن رغبة إلياس العماري في العودة إلى المشهد من بوابة حزب الحركة الشعبية، مستفيدا من هشاشة التوازنات الداخلية للحزب وحاجته إلى زخم سياسي مفقود.
في هذا السياق، ترى مصادر متطابقة أن إلياس العماري لعب دورا أساسيا في دفع محمد أوزين إلى تفجير هذا الملف من داخل البرلمان، ليس فقط لاستهداف مؤسسة إعلامية بعينها، بل للانتقام السياسي من وزير الشباب والثقافة والتواصل محمد المهدي بنسعيد، عضو القيادة الثلاثية لحزب الأصالة والمعاصرة. فاستهداف المؤسسة الإعلامية لم يكن هدفا في حد ذاته، بل وسيلة لضرب الوزير سياسيا وإرباكه في لحظة تشريعية دقيقة.
إفشال مشروع القانون المتعلق بالمجلس الوطني للصحافة يشكل، وفق هذه القراءة، الهدف الحقيقي لهذه المعركة. ففشل تمرير هذا القانون يعني إضعاف مؤسسة التنظيم الذاتي للصحافة، ونسف أحد أهم الأوراش التي راهن عليها الوزير، وتحميله مسؤولية سياسية مباشرة، فضلا عن فتح المجال أمام مزيد من التحكم والضغط على الإعلام خارج الأطر المؤسساتية.
ولا يمكن فصل هذا التصعيد عن العلاقات الشخصية والسياسية، إذ يُنظر إلى مدير المؤسسة الإعلامية المستهدفة باعتباره صديقا للوزير، الذي رفض، حسب المعطيات المتداولة، الانخراط في مخطط يروم توظيف الإعلام في صراع سياسي تقوده أطراف من خارج المشهد العلني، ومن بينهم إلياس العماري.
من جهته، يبدو محمد أوزين وكأنه يسعى إلى تحقيق شعبية سريعة وسط جمهور افتراضي واسع، دون الانتباه إلى أن هذا الجمهور لا يشكل بالضرورة قاعدة انتخابية قادرة على ضمان الاستمرارية السياسية. بل إن أصواتا من داخل حزب الحركة الشعبية تعبّر عن امتعاضها من زج الحزب في معركة لا تخدمه انتخابيا، وتصف ما جرى بأنه خوض لحرب بالوكالة لصالح أطراف أخرى، وهو ما قد ينعكس سلبا على مستقبل أوزين السياسي، خاصة مع الحديث عن صعوبة عودته إلى البرلمان في الولاية المقبلة.
وفي هذا السياق بالذات، يستحضر متابعون مقولة الإعلامي الدكتور فيصل القاسم: “لا تعادِ إعلاميا حتى لو كان من الدرجة العاشرة، ولا تعادِ شخصا يكتب يوميا”، باعتبارها خلاصة تجربة طويلة في فهم ميزان القوة بين السياسة والإعلام. وهي مقولة تنطبق، بحسب نفس المتابعين، على ما أقدم عليه محمد أوزين، الذي لم يكتفِ بإقحام نفسه في صراع مفتوح مع مؤسسة إعلامية، بل ورّط حزبه معه في معركة غير محسوبة العواقب، قد يدفع ثمنها سياسيا وتنظيميا.
وتشير معطيات أخرى إلى أن هذا التحرك لم يكن بعيدا عن رغبة في إرضاء الوزير السابق محمد الأعرج، زميل أوزين في الحزب ووزير الاتصال الأسبق، ما يعزز فرضية أن ما يجري هو تصفية حسابات مؤجلة داخل حقل الإعلام والسياسة، أكثر منه دفاعا عن أخلاقيات المهنة.
في المقابل، ردّت المؤسسة الإعلامية المعنية بطلب رسمي إلى رئيس مجلس النواب لفتح تحقيق في الاتهامات التي وجهها لها أوزين، خصوصا ما يتعلق بالدعم العمومي، معتبرة أن الاتهامات الصادرة عن نائب برلماني تستوجب مساءلة مؤسساتية لا خطابات سياسية. كما عبّر صاحب المؤسسة عن استعداده لنشر جميع ممتلكاته للرأي العام، في خطوة تهدف إلى نقل النقاش من مستوى التشهير إلى مستوى الشفافية والمحاسبة.
وبالتوازي مع ذلك، يطرح الرأي العام تساؤلات حول المسار المهني لمحمد أوزين نفسه، خاصة في ما يتعلق بحصوله على دكتوراه منذ سنة 2005 دون أن يُعرف عنه اشتغال أكاديمي أو مسار جامعي واضح، إذ من المفترض أن من يحمل دكتوراه منذ ما يقارب عقدين أن يكون أستاذا جامعيا أو على الأقل فاعلا في مجاله العلمي. كما لم يُسجل عنه، في الفضاء العمومي، استعمال اللغة الإنجليزية التي يقول إنه نال الدكتوراه فيها، وهي معطيات تُطرح اليوم في سياق مساءلة الخطاب لا الأشخاص.
ما يتكشف من خلال هذه الوقائع والمعطيات ليس مجرد خلاف عابر أو نقاش حول التفاهة والتشهير، بل ملامح منظومة تُدار من وراء حجاب، تسعى إلى التحكم في الإعلام، واستعمال البرلمان كمنصة للضغط، والقوانين كسلاح سياسي، في محاولة لإعادة رسم موازين القوى بعد فشل رهانات سابقة.
ويبقى السؤال مفتوحا: هل يتعلق الأمر فعلا بالدفاع عن أخلاقيات الصحافة؟ أم بمحاولة جديدة لإعادة إنتاج مشروع سياسي فشل في الماضي، ويبحث اليوم عن حياة جديدة عبر الإعلام والضجيج الشعبوي؟
شارك هذا المحتوى
