بقلم فدوى هاشم
يعد الألم النفسي من أعمق التجارب الإنسانية التي لا تخضع بالضرورة لمنطق الزمن، إذ لا يختفي أثره بمجرد مرور السنوات، بل قد يستمر حضوره في التجربة الشعورية للفرد رغم محاولات النسيان والتجاوز. ويخطئ التصور الشائع حين يربط استمرار الألم بضعف الشخصية أو بقلة الصبر، ذلك أن علم النفس يؤكد أن الجرح النفسي تحكمه آليات معقدة تتداخل فيها الذاكرة والانفعال وبناء المعنى، مما يجعل بعض التجارب عصية على النسيان التلقائي.
تشير الدراسات النفسية العصبية إلى أن التجارب المؤلمة، خاصة تلك التي تمس الشعور بالأمان أو القيمة الذاتية، يتم تخزينها في الذاكرة الانفعالية المرتبطة بالجهاز الحوفي في الدماغ. وهذه الذاكرة لا تحفظ الحدث في بعده الزمني فقط، بل تحتفظ أيضا بالشحنة الانفعالية المصاحبة له، وهو ما يفسر عودة الألم في صورة مشاعر مفاجئة كالخوف أو الحزن أو القلق، دون استحضار واع للحدث الأصلي. ويؤكد لودو أن الدماغ العاطفي يستجيب للمثيرات المشابهة بسرعة تفوق المعالجة العقلانية، مما يجعل الأثر النفسي للجرح متجددا رغم غياب الخطر الفعلي.
وفي سياق الصدمة النفسية، يتعذر على الفرد استيعاب الحدث المؤلم ضمن بنيته النفسية بشكل متكامل، فيظل الأثر عالقا دون معالجة. ويشير فرويد إلى أن الخبرات التي لم يتم تفريغها شعوريا تعود للظهور في أشكال غير مباشرة، كالتوتر المزمن أو الأعراض النفسجسمية أو الاسترجاع القهري. وعليه فإن عدم نسيان الجرح في هذه الحالة لا يعد خللا نفسيا، بل دلالة على أن النفس لم تنجح بعد في دمج التجربة داخل تاريخها النفسي.
كما يسهم الكبت العاطفي في استمرار الألم النفسي، خاصة حين يفرض المحيط الاجتماعي على الفرد تجاوز التجربة دون منحه مساحة كافية للتعبير أو الفهم. ويرى روجرز أن الإنكار المستمر للمشاعر المؤلمة يعيق التوافق النفسي، ويؤدي إلى انفصال الفرد عن خبرته الذاتية، مما يجعل الألم يظهر لاحقا في صور أكثر تعقيدا. فالألم الذي لا يعاش ولا يحتوى لا يختفي، بل يتحول ويغير شكله.
وتبرز جروح الخذلان العاطفي كأحد أكثر الجروح النفسية مقاومة للنسيان، لكونها تمس البنية العلائقية للفرد ونماذج ثقته في الآخرين. ووفق نظرية التعلق عند بولبي، فإن التجارب السلبية مع أشخاص يمثلون مصادر أمان تؤدي إلى زعزعة التعلق الآمن، مما يجعل الفرد أكثر حذرا وقلقا في علاقاته المستقبلية. وفي هذه الحالة لا يكون الجرح مجرد ذكرى ماضية، بل عاملا منظما للسلوك والانفعال.
ومن منظور العلاج بالمعنى، يرى فرانكل أن المعاناة التي تفتقر إلى معنى تكون أشد وطأة واستمرارا، بينما يخف الألم حين يتم إدماجه في إطار تفسيري يمنح الفرد إحساسا بالفهم والسيطرة. وعليه فإن عدم نسيان الجرح قد يعكس سعيا داخليا لإعادة بناء المعنى، أكثر مما يعكس عجزا عن التجاوز.
وتؤكد المقاربات النفسية الحديثة أن الشفاء لا يعني محو الذاكرة المؤلمة، بل إعادة معالجتها بشكل يسمح باستحضارها دون معاناة. فالهدف العلاجي يتمثل في تحويل الجرح من تجربة نشطة مؤلمة إلى خبرة ماضية متكاملة داخل الوعي. وعندما يتحقق هذا الدمج، يتحول الأثر النفسي من مصدر ألم إلى عنصر وعي ونضج انفعالي.
ختاما، يمكن القول إن عدم نسيان الجرح والألم النفسي ظاهرة طبيعية تعكس عمق التجربة الإنسانية وتعقيد النفس البشرية. فالذاكرة لا تحتفظ بالألم عبثا، بل بوصفه تجربة تعلمت منها النفس كيف تحمي ذاتها وتعيد بناء توازنها. ومن ثم فإن التجاوز الحقيقي لا يقاس بالنسيان، بل بالقدرة على التذكر دون أن يعاد إنتاج المعاناة.
المراجع
فرويد، سيغموند. 1920. ما وراء مبدأ اللذة. ضمن الأعمال الكاملة. ترجمة عربية.
بولبي، جون. 1988. قاعدة آمنة: التعلق الإنساني والصحة النفسية. ترجمة عربية.
روجرز، كارل. 1961. أن تصبح شخصا. ترجمة عربية.
لودو، جوزيف. 1996. الدماغ العاطفي: الأسس العصبية للحياة الانفعالية. ترجمة عربية.
فان دير كولك، بيسيل. 2014. الجسد يحتفظ بالصدمة: الدماغ والعقل والجسد في شفاء الصدمة النفسية. ترجمة عربية.
فرانكل، فيكتور. 1984. الإنسان يبحث عن معنى. ترجمة عربية.
شارك هذا المحتوى
