الأنباء بوست/ حسن المولوع
ليست حرية الصحافة في المغرب مهددة فقط بالقوانين أو بالضغوط السياسية، بل باتت اليوم مهددة، وبصورة أخطر، بمنطق التساهل المؤسسي الذي يسمح بتكرار الجريمة، ويمنح المتهمين في قضايا التشهير والعنف الرقمي إحساسا مقلقا بالإفلات من العقاب.. وما تتعرض له الزميلة فاطمة رضى، مراسلة صحفية بمنطقة بن أحمد، إقليم سطات، ليس سوى نموذج صارخ لهذا الخلل العميق.
فاطمة رضى، المعروفة بنشاطها المهني وغيرتها الصادقة على منطقتها، وجدت نفسها هدفا لحملة تشهير ممنهجة، لا لشيء سوى لأنها اختارت أن تكون صحفية بالمعنى الحقيقي للكلمة: تراقب، تسائل، وتزعج. آخر فصول هذه الحملة جاء على يد شخص أقدم، حسب ما هو ثابت في الشكايات الموضوعة، على بث محتويات تتضمن سبًا وقذفا، وطعنا في العرض، ومسا بالحياة الخاصة، في اعتداء فجّ لا يطال الصحافية وحدها، بل يمتد أثره النفسي والاجتماعي إلى أبنائها، الذين تشير المعطيات إلى أنهم يعانون من اكتئاب ومشاكل خاصة نتيجة هذا الاستهداف.
أمام هذا الوضع، لجأت فاطمة رضى إلى القضاء، في خطوة تحسب لها، إيمانا منها بأن دولة المؤسسات لا تحمي الصحافيين بالشعارات، بل بتطبيق القانون. غير أن مسار القضية أخذ منحى مقلقا، بعدما قررت النيابة العامة متابعة المتهم في حالة سراح. قرارٌ قد يكون مبررا إجرائيا في نظر البعض، لكنه تحوّل، في الواقع، إلى رسالة خاطئة التقطها المتهم بسرعة: لا رادع، ولا ثمن حقيقي.
والأخطر من ذلك، أن القضية، وهي ما تزال رائجة أمام القضاء، شهدت تطورا بالغ الخطورة، بعدما أقدم المتهم نفسه، من جديد، على بث فيديو آخر يعاود فيه الطعن في عرض الزميلة، ويمس حياتها الخاصة، ويمارس عليها عنفا لفظيا صريحا، في تحدٍّ سافر للقضاء، واستخفاف واضح بمبدأ سيادة القانون.
هنا، لا يعود السؤال متعلقا فقط بحماية صحافية بعينها، بل بسلامة المنظومة برمتها: كيف يمكن لمتهم في قضية تشهير وعنف رقمي، ما تزال معروضة على أنظار العدالة، أن يعاود الفعل نفسه؟ وأين تقف حدود المسؤولية حين يتحول التساهل الإجرائي إلى عامل مشجع على التمادي؟
إن ترك المتهم حرًا طليقا، دون إجراءات احترازية تضمن عدم تكرار الجرم، يطرح أكثر من علامة استفهام حول مدى استيعاب خطورة العنف الرقمي، خاصة حين يستهدف صحافية ويطال أسرتها. فالعنف هنا ليس رأيا، ولا اختلافا، بل سبّ وقذف ومس بالحياة الخاصة، وهي أفعال يجرمها القانون بوضوح، ولا تحتمل أي تأويل فضفاض باسم حرية التعبير.
ومن غير المستبعد، في ظل هذا الصمت المقلق، أن تتحرك جمعيات نسائية وهيئات مهنية وحقوقية للتعبير عن تضامنها مع الزميلة فاطمة رضى، ليس فقط دفاعا عنها، بل دفاعا عن مبدأ أساسي: لا صحافة حرة دون حماية، ولا قانون له هيبة إن لم يُفعّل في الوقت المناسب.
إن المسؤولية اليوم لا تقع على عاتق الجاني وحده، بل على عاتق الجهات المختصة التي يفترض فيها أن توازن بين قرينة البراءة وواجب الحماية، وأن تدرك أن التراخي في مثل هذه القضايا لا يُحسب حيادا، بل قد يُفهم كتخلٍّ غير معلن عن الضحايا.
فاطمة رضى لا تطلب امتيازا، ولا حصانة خاصة، بل تطلب ما يكفله الدستور والقانون: الحماية، والإنصاف، ووضع حد لسلسلة عنف كان يمكن إيقافها لو أُخذت خطورتها بالجدية اللازمة منذ البداية.
إن اختبار دولة الحق والقانون لا يكون في الملفات السهلة، بل في مثل هذه القضايا، حيث تكون الكلمة الحرة في مواجهة الابتذال، والعدالة في مواجهة التراخي. وما لم يُتدارك هذا الخلل، فإن الرسالة التي ستصل إلى كل صحافي وصحافية واضحة وقاسية: أنت وحدك في الميدان، وإن تكرر الاعتداء، فذلك مجرد تفصيل.
شارك هذا المحتوى
